Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د.منى يوسف حمدان

حين يصبح العطاء تاريخًا.. والقيادة أثرًا لا يزول

A A
في حضرةِ الوفاءِ.. تُروَى الحكاياتُ التي لا يطويها الزَّمنُ، ويُستعاد أثر النِّساء اللواتي لم يكنَّ عابرات في مسيرة التَّعليم، بل كُنَّ جذورًا راسخةً في أرضه. وفي المدينة المنوَّرة، حيث يلتقي التاريخُ مع الرسالةِ، تبرز سيرةُ رائدةٍ من رائدات تعليم البنات، الأستاذة وداد خليفة، بوصفهَا نموذجًا مضيئًا للقيادة النسائيَّة الواعية، في مرحلةٍ كانت تحتاج إلى شجاعة القرار، وإيمان الرسالةِ.
تُعدُّ أستاذة وداد مسيرةً رياديَّةً صنعت أثرًا مستدامًا في تعليم البنات بالمدينة المنوَّرة؛ لم تكن القيادة عندها منصبًا يُشغَل، بل أمانة تُؤدَّى. في زمن البدايات، حين كانت الرُّؤية تتشكَّل على أيدي نساءٍ آمَنَّ بأنَّ تعليم الفتاة ليس خيارًا، بل ضرورةٌ حضاريَّةٌ واستثمارٌ في مستقبل الوطن. وقد أدركتِ الأستاذةُ وداد مبكِّرًا أنَّ بناءَ المدرسة هو بناءُ الإنسانِ، وأنَّ تمكينَ المعلِّمة هو تمكينٌ لجيل كامل.
في ندوة حواريَّة كان عنوانها: (رائدات على خطِّ التأسيس: الأستاذة وداد خليفة ومسيرة تعليم البنات في المدينة المنوَّرة)، اجتمعت نخبةٌ من القياديَّات اللَّاتِي عاصرنَ الأستاذةَ وداد، وعملنَ معها ليحتفِينَ بسيرتها العطرةِ، مقدِّراتٍ عطاءَها في مرحلة البدايات، تحدَّثنَ عن الحزمِ في إدارتها الذي كان مقرونًا بالعدل، والنظام لم يكن غايةً في ذاته، بل وسيلةٌ لصناعةِ بيئةٍ تعليميَّةٍ منضبطةٍ تحترم الوقتَ، والعلمَ، والإنسانَ. كانتْ تُصغِي قبلَ أنْ تُقررَ، وتُوجِّه دونَ أنْ تُقصِي، وتحتضنُ المواهبَ الشابَّة بثقةٍ تشعرهُنَّ أنَّ القيادة ممكنةٌ، وأنَّ الطموحَ مشروعٌ.
إنَّ تكريم القيادات التعليمية ليس احتفاءً عاطفيًّا بمرحلة مضت، بل هو فعل مؤسسي يعكس نضجًا إداريًّا ووعيًا بقيمة التوثيق واستدامة الأثر. فالمؤسسات التي تحفظ ذاكرتها، وتحفظ أسماء مَن صنَعُوا مسيرتها، هي مؤسساتٌ قادرةٌ على التجدُّد دون أنْ تفقد جذورها.
ومن هذا المنطلقِ، تأتي مبادرة الإدارة العامَّة للتعليم بمنطقة المدينة المنوَّرة بقيادةِ المديرِ العامِّ الأستاذ ناصر العبدالكريم؛ لتسليط الضوء على القدواتِ الحقيقيَّةِ صاحبةِ الأثرِ الممتدِّ، بوصفها ممارسةً رائدةً في تعزيز ثقافة الامتنان، وترسيخ قيم الانتماء، وإعادة الاعتبار للتاريخ التعليميِّ، بوصفه أحد أعمدة الهويَّة المؤسسيَّة، ولتعيد للذاكرة الحيَّة سيرتها العطرة؛ لتكون نبراسًا يُحتَذى بهِ بين جيل اليوم من القياديَّات والمعلِّمات والطالبات ضمن مبادرة بُناةِ الإنسانِ وتحقيقًا لمعايير مدن التعلُّم.
في هذا الاحتفاءِ اجتمعتْ نساءُ المدينة من مختلف الأجيال، بكلِّ حُبٍّ وتقديرٍ وامتنانٍ لسيِّدةٍ عظيمةٍ زرعتْ حبًّا واحترامًا وإخلاصًا لدِينها، ثمَّ لوطنها، وللتعليمِ، وللمجتمعِ المدنيِّ، فحصدت كلَّ الحبِّ في مدينة لا تعرفُ إلَّا الحبَّ والتقديرَ لكبارِها؛ فما أجمل أنْ نكرَّمَ الكبيرَ ونعرفَ قدرَهُ.
وبقيادةِ صاحبِ السموِّ الملكيِّ الأميرِ سلمان بن سلطان -حفظه الله- ترتقي المدينةُ كلَّ يوم في منصَّات التتويجِ والريادةِ والتفوُّق في كلِّ المجالات، وبدعم سموِّه الكبير يحقِّق التعليمُ في المنطقة قفزاتٍ مباركةً؛ ليتصدَّر المشهدَ العلميَّ والثقافيَّ والفكريَّ، والتفوُّق في كلِّ المجالات.
أخيرًا... أرفعُ أملًا ورغبةً وحلمًا أعيشهُ منذُ سنواتٍ وأرجُو أنْ يتحقق قريبًا، أرَى في الأفقِ يومًا الذي أتجوَّلُ فيهِ في شوارع المدينةِ، وأجدُ أسماءَ نساءِ المدينةِ الرَّائدات يزيِّنَّ الشوارع، وتسألني إحدَى حفيداتِي يومًا عن سيرةِ أ. وداد خليفة، أو أ. زينب مغربل، أو الدكتورة ثريا عبيد، أو أ. نورة الخريجي وغيرهنَّ من الرَّائدات وأحكِي لهُنَّ عن أطيبِ الأثرِ وأجملِ سيرةٍ عطرةٍ مازال رحيقهَا الطيِّب يعطِّر المكانَ، وسيبقى ممتدًّا ما بقيتِ الأيَّامُ.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store