أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي، مساحةً مفتوحةً لكل شيءٍ؛ ساحة تتقاطع فيها الآراءُ، وتتزاحم فيها الحقائقُ مع الأوهام، حتى بات التمييز بينهما مهمَّة تحتاج إلى وعيٍ حادٍّ ونظرٍ متأمل. وفي خضم هذا الاتِّساع، برزت ظاهرة مقلقة تتمثَّل في حسابات تُغلِّف الوهم بقالب الحقيقة، وتقدِّم التحريض في هيئة نصيحة، وتدَّعي المصداقيَّة عبر انتحال صور وأسماء لا تمتُّ لها بِصِلَة.
هذه الحسابات، زيادة على إخفاء هويتها، تتعمَّد استعارة صور أشخاص حقيقيِّين لإضفاء مصداقيَّة زائفة. فتجد حسابًا يحمل اسمًا مألوفًا، وصورة شخصيَّة توحي بالثقة، ومحتوى يبدو في ظاهره عقلانيًّا، لكنَّه في جوهره موجَّه أو مضلِّل أو مشحون برسائل غير بريئة. وعند التتبُّع، يتَّضح أنَّ الصورة تعود لشخص بعيد تمامًا عن هذا المحتوى، وربما لا يعلم أصلًا أنَّ هويته تُستخدم في هذا السياق. هنا لا تتوقَّف المشكلة عند التضليل، إنما تمتد إلى تعريض الأبرياء لمخاطر اجتماعيَّة أو قانونيَّة دون علمهم.
مَن يتحدَّث بالحقيقة لا يحتاج إلى قناع، ولا يستعير وجوه الآخرين ليُقنع النَّاس. المصداقيَّة تنبع من وضوح الهويَّة واتِّساق الطرح، لا من صورة مسروقة، أو اسم مُلفَّق. أمَّا مَن يلجأ إلى التمويه، فغالبًا ما يحمل هدفًا لا يرغب في تحمُّل مسؤوليته، فيختبئ خلف ستار رقميٍّ يتيح له التأثير دون مساءلة.
الحقيقة أنَّنا نواجه تدفقًا متزايدًا من الحسابات الوهميَّة التي تتدثر برداء الواقعيََّة، صورٌ منتقاة بعناية، وأسماء شائعة، وخطابٌ مُحكم الصياغة. لكنَّها في النهاية أدوات تُستخدم لتوجيه الرأي العام، أو إثارة الجدل، أو بث الشكوك، أو حتَّى الإساءة. ومع هذا التدفُّق، تتضاعف مسؤوليَّة المستخدم في التحقُّق والتَّدقيق، وعدم الانجراف خلف كل ما يبدو مقنعًا.
دورنا كسعوديِّين يتجاوز مجرَّد التلقِّي إلى الوعي والمبادرة. الوعي بالتحقُّق من مصادر المعلومات، والتثبت من هويَّة الحسابات، وعدم إعادة نشر المحتوى المشبوه. والمبادرة بالإبلاغ عن الحسابات المضللة، ونشر ثقافة المسؤولية الرقميَّة، وحماية المجتمع من آثار هذا النوع من التضليل. كما أنَّ تعزيز قيم الصدق والشفافية في الفضاء الرقميِّ يسهم في تقليص مساحة التأثير لتلك الحسابات.
في النهاية، تبقى وسائل التواصل أداة؛ قيمتها تُقاس بكيفيَّة استخدامها. وبينما تتَّسع هذه المساحة يومًا بعد يوم، يظل الوعي هو خط الدفاع الأول، والهويَّة الصَّادقة هي الركيزة التي لا يمكن استبدالها، أو تزويرها دون أنْ ينكشف الزيف، عاجلًا أم آجلًا.


