Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. سعود كاتب

حين يُحاكَم الكتَّاب على نصوص لم يكتبوها

A A
إلى أيِّ مدى يتحمَّل الكاتبُ مسؤوليَّة فهم القارئ لما يكتبه؟ وهل صحيح أنَّ كلَّ أخطاء سوء الفهم يتحمَّلها المرسلُ لا المستقبِل؟ وما مدى صحة العبارة الشَّائعة التي تقول «أنا مسؤولٌ عمَّا أكتبُه، ولستُ مسؤولًا عمَّا تفهمهُ»؟.
هذه التساؤلات خطرت في بالي، بعد قراءتي مؤخَّرًا عبارة لأدونيس، يشير فيها لما معناه أنَّ بعض النَّاس -حتى ممَّن يُحسبُون على المتعلِّمِين أو المثقفِينَ- لا يجيدُون القراءة. وأدونيس بالتأكيد لا يقصد هنا القدرة على فكِّ الحروف، بل يشير إلى خللٍ أعمقَ وهو قراءة النصوص باجتزاءٍ يُخرجها من سياقها، أو بمنطق ثنائيٍّ حادٍّ، يختزلها في تصنيفات جاهزة من قبيل «أسود أو أبيض»، «مع أو ضد»، «صواب أو خطأ»، «مؤمن أو كافر».. وفي ظلِّ مثل هذه الذهنيَّة يفقد النص وظيفته بوصفه مساحةً للفهم والفكر، ويتحوَّل إلى مادةٍ للحُكم السريع، أو أداة للنَّيل من الكاتب بكلماتٍ مُنتزعة من كلامه.. وهنا يصبح التحدِّي الصَّعب أمام الكاتب ليس مجرَّد صياغة فكرته بوضوح، بل وضمان أنْ تُقرأ كما كُتبت دون تشويه.
هذه الظاهرة، تُسمَّى في علم الاتِّصال بـ»انهيار السياق» (Context Collapse)، وهي لا تعني مجرَّد سوء فهم عابر، بل نمطًا مستقرًّا من التلقِّي يقوم على اقتطاع جزءٍ من النصِّ، والتعامل معه بوصفه نصًّا مكتملًا بذاته، بشكلٍ يُفقده وحدته، ويحوِّله إلى شظايا قابلة لإعادة التوظيف، وفق مزاج القارئ، أو موقفه المسبق. والأخطر من ذلك أنَّ هذا النمط لا يكتفي بتشويه المعنى، بل إنَّه يُنتج «نصًّا بديلًا» يُنسب إلى الكاتب، ويُحاكم من بعض شرائح المُتلقِّين على أساسه.
ولئن كانت منصَّات التواصل الاجتماعي قد عمَّقت هذه الظاهرة، عبر تشجيعها على الاقتباس السَّريع وإعادة التدوير، فإنَّ جذور المشكلة في واقع الأمر أقدم من ذلك، فالقابلية للاجتزاء تكمن في طريقة تفكير القارئ، قبل أنْ تكون في طبيعة الوسيط. وما فعلته الوسائل الحديثة هو أنَّها منحت «الرسالة» سرعة الانتشار وقوة التأثير، حتى باتت الجُمل المقتطعة، أحيانًا أكثر حضورًا وتداولًا من النصِّ الذي تنتمي إليه.
نتيجة لذلك، يجد كثير من الكُتََّاب أنفسهم في مواجهة مع نصوص لم يعودوا يملكونها بعد نشرها، فالجملة التي صِيغت ضمن سياق محدَّد، قد تُنتزع لتُستخدم في سياق معاكسٍ تمامًا. ومن هنا تنشأ لدى الكاتب حالةً من «الرقابة الذاتيَّة» المعيقة للتفكير والإبداع، لا بدافع الخوف من الخطأ، بل خشية من سوء القراءة، وهاجس التحريف.
وهكذا، يمكن القول إنَّ تحميل الكاتب كامل المسؤولية عن كل تأويل مجتزأ لكلامه، هو بمثابة تبسيط مُخل وغير منصف.. نعم، على الكاتب أنْ يكتب بوضوح ودقَّة، لكن القراءة أيضًا فعل مسؤول، يتطلَّب إنصاف النصِّ والتعامل معه بفهمٍ وأمانة قبل الحكم عليه.
إنَّ العلاقة بين الكاتب والقارئ ليست علاقة طرف فاعل، وآخر متلقٍّ سلبي، بل هي شراكة في إنتاج المعنى وفهمه. وحين يُغفل القارئ سياق النصِّ فهو لا يسيءُ فهمه فحسب، بل يسيءُ استخدامه. ومن هنا، فإنَّ الدفاع عن السياق ليس ترفًا لغويًّا، بل ضرورة فكريَّة لحماية المعنى من التفكُّك، ولصون النقاش من الانزلاق إلى سطحيَّة الأحكام وجورها.
في النهاية، ليست المشكلة في أنْ نختلف حول ما نقرأ، بل في أنْ نقرأ على نحوٍ يسبق فيه الحكمُ الفهم.. فبين نصٍّ كُتب في سياقه، ونصٍّ أُعيد تركيبه خارجه، مسافة كفيلة بتحويل الفكرة إلى نقيضها، ووضع الكاتب على كرسيِِّ الاتِّهام، بدلًا من التقدير والاحترام.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store