شكَّل خطاب وزير الخارجية البريطاني (أنتوني إيدن) الذي ألقاه في (٢٩/ ٥/ ١٩٤١م) ورأى فيه أنَّ كثيرًا من مفكري العرب يرجون وحدة أكبر ممَّا هي عليه الآن إغراءً لقيام ما سمي بـ(جامعة الدول العربية).
العجيب هو أن موقع الجامعة العربية على الشبكة كان -إلى وقت قريب- يعترف بما تضمره بريطانيا من وراء هذه الدعوة حيث جاء فيه: «وجدت بريطانيا في الأربعينيات من القرن العشرين أن وجود أحد الأشكال المؤسسية التي تنتظم فيها الدول العربية المستقلة في حينه (يخدم مصالحها) من عدة وجوه أساسية»، ويبدو أنَّ الجامعة قد حذفت هذا الاعتراف من موقعها على الشبكة. ومن أراد الاستزادة عن حبكة قيام جامعة الدول العربية ومصالح بريطانيا منها، فليرجع إلى مقالي (الجامعة العربية والتوهُّم البريطاني). واليوم مضى أكثر من ثمانية عقود على تأسيس الجامعة العربية، ولم تجد الشعوب العربية للجامعة موقفًا حاسمًا تجاه كثير من القضايا العربية الداخلية، أو تجاه المحتل الصهيوني، أو حتى التدخلات الإيرانية. فمنذ مطلع تسعينيات القرن المنصرم والدول العربية في حالة تفرُّق وشتات بعد أول اجتماع عربي لمناقشة الغزو العراقي للكويت، وتَبِعَها تفرّق الآراء حتى يومنا هذا.
قد يظن البعض أنها دعوة لقطع العلاقات -المهترئة أصلًا- بين العديد من الدول العربية، أو أنها دعوة لتحجيم الرابط اللغوي، وليس هذا هو المقصود إطلاقًا. المقصود هو أن الوحدة العربية الحقيقية (المأمولة) لم تتحقق بين الدول العربية منذ قيام الجامعة، ما تمَّ فقط هو زيادة الالتزامات والأعباء المالية خاصة على دول مجلس التعاون، وتورُّم الملفات العالقة، وظهور الانعكاسات السلبية لهذه الوحدة المزعومة كالتواكل بين الدول الأعضاء والتخاذل والتحيُّز.
المؤكد أن معظم الدول العربية لها علاقات قوية ومتينة مع دول العالم وخاصة الكبرى أو المجاورة من غير الدول العربية دون روابط لغوية تجمعها، من هذا ندرك جيدًا أن العلاقات بين الدول العربية يمكن أن تكون (متينة وصادقة) دون الحاجة لجامعة عربية، في الوقت نفسه قد تكون (أوهى من بيت العنكبوت) مع وجود الجامعة العربية، ولذا فإنَّ التفات كل دولة عربية لشأنها الداخلي دون التقيد بالإطار العربي في كل قضية -مع قيامها بحق الجوار واللغة- أراه أجدى وأكثر تأثيرًا في حلحلة كثير من القضايا والتأثير في الأحداث.
وعليه أرى أنه آن الأوان لفض الجامعة العربية؛ كون ذلك أدعى للاستقلالية في الرأي، وأدعى لقيام كل دولة عربية بواجبها، وأدعى لبروز قوى عربية يمكن أن تشكل توازنًا في المنطقة، وهذا ما لا يمكن تحقيقه في ظل الجامعة العربية التي أضحت مناخًا للخلافات، وتحجيم الطموحات، ووأد المشروعات.


