في مساء جمعةٍ من أبريل 2026، اجتمعنا في غرفة كافنديش بكليَّتي، “بيترهاوس”، أقدم كليَّات كامبردج، في ضوء الشُّموع، كما جرت العادة منذ قرون. على بُعد خطواتٍ من نهر الكام، في كليَّة كينغز، كان جون ماينارد كينز قد فرغ قبل قرن من «النظرية العامة». وفي الحرب، حين أُجليت كلية لندن للاقتصاد LSE إلى كامبردج واستضافتها بيترهاوس، وفد فريدريش فون هايك إلى ذلك الفضاء الفكريِّ المضغوط بين الحرب والجامعة والاقتصاد. كان الرجلان يتراسلان ويتجادلان بأدبٍ جم، ويختلفان في كلِّ شيءٍ. ولم يكن أحدهما يعلم، وهو يكتب، أنَّ ما يخطه سيحكم نصف القرن التالي من الاقتصاد السياسيِّ.
تلك هي اللحظة التي تستحضرها الذاكرة حين أفكِّر فيما نحن فيه اليوم. ليست لحظة التصديق، بل لحظة الصياغة.
كانت أوَّل أطروحةٍ وعيتُها في معنى «التحوُّل» رسالةَ والدي -سلَّمه الله- للدكتوراة في نظريَّة التنظيم عن «التحوُّل إلى القطاع الخاص». منذ ذلك الحين لم يعد التحوُّل عندي إجراءً إداريًّا، بل حالةً معرفيَّة: كيف ينتقل مجتمعٌ من رُؤيةٍ إلى رُؤيةٍ؟
كينز رأى أنَّ السوق يعجز أحيانًا عن إنقاذ نفسه. وهايك خاف أنْ يبدأ التدخُّل باسم الإنقاذ، وينتهي بقيدٍ على الحريَّة؛ لأنَّ السوق عنده نظامُ معرفةٍ موزَّعة لا تطيق الدولةُ جمعَها. ثم جاءت لحظة ريغان وتاتشر، فصعدت «النيوليبرالية» بوصفها حكمًا عالميًّا: السوق يؤدِّب الدولة. كان في ذلك علاجٌ لجمودٍ حقيقيٍّ. لكنَّه مع الزمن صنع عمًى من نوعٍ جديدٍ: ما لا يدخل في السعر لا يُرى، وما لا يظهر في الميزانيَّة لا يُعدُّ حقيقةً كاملةً.
لم يُخفق النظام لأنَّه عجز عن إنتاج الأرقام. أخفق لأنَّه ظنَّ أنَّ الأرقام تكفي لإدراك الإنتاجيَّة. تُرك خارج الحساب: كرامةُ العامل، ومعرفةُ المجتمعات، والثقةُ العامة، وأثرُ البيئة، وحقُّ الأجيال القادمة. وما كان يُسمَّى «آثارًا خارجيَّة» Externalities صار اليوم صميمَ الاقتصاد: الطاقةُ التي تحمل الذكاء الاصطناعي، والكربونُ الذي يكشف كلفة الإنتاج؛ والهندسةُ القانونيَّة للسوق التي ترتِّب القيمة، والثقةُ التي تقوم عليها الأسواق.
لم يعد السؤال: هل نختار الدولة أم السوق؟ سؤال هذا القرن: كيف نبني اقتصادًا سياسيًّا معرفيًّا يُدرك ما غاب عنهما معًا؟
ولمن نسوا أنفسهم في الخليج داخل وصف «الدولة الريعية»، أو قَبِلوا أنْ يختصرهم غيرُهم فيه، كشفت الحرب الهرمزيَّة أنَّ المسألة لم تكن يومًا ثروةً جامدةً، بل قدرةَ انتقال. الطاقةُ، والصناديقُ السياديَّة، والكربون، والاقتصاد الدائري، وصناديق التنمية، والعملة الرقميَّة المستقرَّة، ليست هوامشَ في النظام العالميِّ، بل أدواتٌ مؤسسيَّة لصياغة اقتصادٍ سياسيٍّ جديدٍ، إن أُحسن إدراكُها.
لهذا لا يمكن أنْ ننتظر نظريةَ ما بعد النيوليبرالية من الخارج. علينا أنْ نشارك في صياغتها. وما نشتغل عليه اليوم في حوارٍ مؤسسيٍّ مع بيترهاوس كامبردج حول التحوُّل الاقتصاديِّ 2045، ومع مبادرة هوث للاقتصاد السياسيِّ الجديد في كليَّة لندن للاقتصاد، ليس أيديولوجيا تهزم ما قبلها، بل محاولةٌ لاستدراك ما أُخرج من الحساب.
في صُلب الفقه المقاصديِّ، الندرةُ موجودة، لكنَّها ليست الإلهَ الخفيَّ للنظام. الأصل هو الأمانة، والدوران، والمخاطرةُ المشتركة، ومنعُ المال من أنْ يربح بلا تعرُّض.
كان التحوُّل الأعظم في طور الإنسان حين قيل: ﴿اقرأ﴾. لم تكن القراءةُ حروفًا، بل إدراكًا واستدراكًا. فإذا كان القرن العشرون قد دار بين خوف كينز من بطالة السوق، وخوف هايك من طغيان الدولة، فإنَّ قرننا يحتاج قراءةً تجعل النموَّ ثمرةَ بصيرة، لا نتيجةَ عمًى منظَّم.
هنا يبدأ طريق الاستدراك.. اقرأ.
الضبط يبدأ في الطريف... وفي العالم يُختبَر.
* هامشٌ توضيحي/تعليمي
النيوليبرالية: اتجاهٌ اقتصاديٌّ صعد بعد الحرب العالميََّة الثانية، يربط تنظيم الاقتصاد بالسوق والخصخصة وتحرير التجارة. تأطَّر فكريًّا في جمعيَّة مونت بيلرين عام 1947، التي أسَّسها هايك، وتجلَّى سياسيًّا في عهد ريغان وتاتشر.


