قبل واحدٍ وأربعِينَ عامًا، حين كانتِ الأرضُ بكرًا، لم تشقها الطُّرقات، ولم تعمرها صخبُ الحياة الحديثة، قادتنِي رحلةُ البحث في رسالة الدكتوراة إلى الجزء الجنوبيِّ ممَّا سمَّيتُه -آنذاك- «حرَّة المدينة». هناك، وفي أحضان طبيعة مهيبة، التقيتُ بالبدو الرُّحل، حرَّاس الصَّحراء وأبنائها، الذين أورثونِي اسمًا بديعًا لتلك المنطقة: «العفيريَّة». وفي قلب هذه العفيريَّة، ينتصبُ شاهدٌ حجريٌّ عظيمٌ يحملُ اسمًا استوحاه البدو من فطرتِهِم وملحوظتِهم الدَّقيقة: مخروط «أم رقيبة».
* سرُّ التَّسمية: العنقُ البركانيُّ الشَّامخُ
لم يأتِ اسم «أم رقيبة» من فراغٍ، فقد لاحظ أهلُ البادية تلك الشَّوكة الصخريَّة البارزة التي تتوِّج قمَّة الجبل، فسمُّوهَا «رقيبة» (تصغير رقبة). والمفارقةُ العجيبةُ أنَّ هذا الوصفَ الفطريَّ البسيط يتطابقُ تمامًا مع ما نطلق عليه في علم الجيولوجيا اسم «العُنق البركاني» (Volcanic Neck)، حيث تقفُ هذه الرَّقبة الصخريَّة كشاهدٍ على فوَّهة لفظت أنفاسها الأخيرة، وتصلَّبت في مكانها.
* «التراكيت» وسرُّ السليكا
يتكوَّن هذا العُنق الشَّامخ من صخرٍ يُطلق عليه أهلُ الجيولوجيا اسم «التراكيت» (Trachyte). وقد يبدُو الاسمُ علميًّا ومعقَّدًا، لكنَّه في لغتنا المبسَّطة ليس سوى صخرٍ يتميَّز بزيادةِ نسبة مادة «السليكا» فيه.
هذه السليكا هي المايسترو، الذي أدار هذا المشهد المهيب، فزيادتها تجعل الحِمم البركانيَّة لزجةً جدًّا، ثقيلةَ الحركةِ وعنيدةً، ترفضُ الانسيابَ السَّهل على المنحدرات. وبسببِ هذه اللُّزوجة الشَّديدة، اندفعت الحِممُ من فوَّهة البركان، وهي في حالة «شبه صلبة»، كأنَّها وتدٌ يغوصُ في السَّماء. وأثناء صعودها الشَّاق والمحتك بجدران الفوَّهة، انحفرت علَى جوانبها النَّاعمة حزوزٌ وخدوشٌ لا تزالُ واضحةً حتى اليوم، توثِّق لحظة ميلادها العَسِيرة.
* انهيارات النَّار: الرَّواسب الفتاتيَّة
لم يقتصر غضبُ «أم رقيبة» على تلك الرقبة الشَّامخة، بل احتضنت جوانبه ظاهرةً مرعبةً وفائقةَ الجَمَال في آنٍ واحدٍ، وهي «الرَّواسب الفتاتيَّة البركانيَّة».
لا تتخيَّلها حِممًا تسيلُ ببطءٍ، بل تخيَّلها وكأنَّها انهياراتٌ جليديَّةٌ ضخمةٌ، ولكنْ من نارٍ ورمادٍ وصخورٍ متوهِّجةٍ! كانت هذه الانهياراتُ الحارَّةُ تنسابُ بسرعة فائقةٍ، تكتسحُ جوانب البركان، وتفرشُ ما يشبه المروحةَ العظيمةَ، خصوصًا في جانبه الشرقيِّ. ولعلَّ هذه الظاهرة المهيبة، بخصائصها وانهياراتِها السَّريعة الحارقة التي شكَّلت جوانب أم رقيبة، تُعدُّ فريدةً من نوعها، وربَّما تكون الوحيدة بهذا الشَّكل المكتمل في المملكة.
خلاصةُ القول، بين التَّسمية البدويَّة الأصيلة، وتركيبة السليكا العنيدة، وانهيارات النَّار السَّريعة، يقف جبل «أم رقيبة» في حرة المدينة ككتاب حجري مفتوح، يروي لنا قصة الأرض حين تغضب، ويعيدنا بالذاكرة إلى أيام خلت، حين كانت الصحراء تهمس بأسرارها لمن يتقن الاستماع إليها.


