يكثر الحديثُ اليوم عن انتهاء العلاقات، سواء كانت علاقة حُبٍّ، أو زواجٍ، أو حتَّى صداقة، وكأنَّها ظاهرة متكرِّرة تترك خلفها أسئلةً أكثر من الإجابات. في هذه اللَّحظات، يلجأ كثيرُون إلى مختصِّي العلاقات والمستشارِين النفسيِّين، وهو خيارٌ أراه ناضجًا؛ لأنَّ الإنسان يحتاج أحيانًا إلى مَن يعيد ترتيب أفكاره، ويمنحه زاوية رُؤية مختلفة لما حدث، لا ليعود، بل ليمضي.
لكنْ ما لا يُقال كثيرًا هو أنَّ بعض النهايات ليست خسارةً، بل نجاة. حين يقرِّر الطَّرفُ الآخرُ الرَّحيلَ، خصوصًا في وقت كنت فيه بأمسِّ الحاجة إليه، ويظهر وجهًا لم تتوقَّعه، فإنَّ أبسط رد فعل وأصعبه في آنٍ واحدٍ، هو أنْ تتركه. لا تحاول فهم كل التفاصيل، ولا تستنزف نفسك في تحليل ما حدث. أحيانًا، الحقيقة واضحة: هو اختار أنْ لا يبقى لسبب يتعلَّق به، وليس بك.
الخطأ ليس فيك دائمًا، حتَّى لو حاولت تحميل نفسك جزءًا منه. هناك علاقات تنتهي؛ لأنَّ الله أبعد عنك طريقًا لم يكن مناسبًا لك، حتَّى لو بدا في بدايته واعدًا. الفكرة ليست في مَن رحل، بل في ما تعلَّمته أنت بعد رحيله.
نعم، ستشعرُ بالندم، لكن ليس بالضرورة على الشَّخص، بل على الوقت الذي مضى دون أنْ تستثمره في نفسك. وهنا تبدأ المرحلة الأهم. مَن يملك هدفًا، أو عملًا، أو شغفًا، يستطيع أنْ يعود إلى ذاته بشكل أسرع؛ لأنَّ لديه ما يعيد بناءه من جديد. أمَّا مَن يربط نفسه بالكامل بعلاقة واحدة، فإنَّه ينهار بانتهائها.
ادخل أيَّ علاقة بوعيٍ، لا بخوفٍ، لكنْ بإدراك أنَّ الاستمرار ليس ضمانًا. وفي المقابل، كُنْ مستعدًّا دائمًا للعودة إلى نفسك دون أنْ تفقدها. نفسك ليست محطَّة مؤقَّتة في حياة أحد، بل هي الأصل. وتعامل مع الأشخاص بكونهم افتراضيِّين وراحلِينَ.
لا أقولُ لك لا تحزنْ، فالحزنُ جزءٌ من التجربة، لكنَّه لا يجب أنْ يتحوَّل إلى إقامة دائمة. أعطِِ للحزن وقته، ثمَّ تحرَّك. لا تجعل فكرة استعادة مَن رحل تسرق منك ما تبقَّى لك؛ لأنَّ من اختار المغادرة، كان واضحًا في قراره.
* من النافذة:
مَن يرحل بإرادتهِ، لا تطاردهُ... فالذِي يقدِّرُكَ، لا يختارُ الرَّحيلَ أساسًا.


