Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

بين الطبيب والآلة.. من يشخص المريض؟

A A
في زمن أصبح الذكاءُ الاصطناعيُّ حاضرًا في كلِّ تفاصيل حياتِنَا، ومتفاعلًا معنا بشكلٍ عجيبٍ وغريبٍ، ومخيفٍ في بعض الأحيان، فإجاباتُه المُريبة على كلِّ ما استشكل علينَا في حياتنا اليوميَّة بصورةٍ دقيقةٍ، أصبحت مصدرَ قلقٍ في أحيان كثيرة، بما في ذلك أسئلتنا التي نطرحُها عليه عن حالتنا الصحيَّة، إذ بات بإمكان هذا البرنامج، أخذ دور الطَّبيب، والإجابة عن كل أسباب العِلل التي نشكُو منها، فقط نقوم بطرح اسئلتنا عليه، ونخبره بالعلَّة، أو المرض الذي نشتكي منه، ومن ثمَّ نتلقَّى الإجابة بتفاصيل دقيقة، مع قدرة هذا البرنامج على كتابة الأدوية والعلاجات الطبيَّة لنا، وتزويدنا بمرفقات لوصفات منزليَّة فعَّالة إنْ أردنا ذلك، تمامًا كما يفعله بعضُ أطباءِ اليوم، بل وأكثر من ذلك، فهو على علمٍ مسبقٍ بما يجول في خواطرنا قبل أنْ نتحدَّث له.
وهنا يبرز التَّساؤل، لماذا إذًا نتعنَّى نحنُ البشر بالذِّهاب إلى الطَّبيب عندما نشتكي من آثار المرض؟ فإذا كان التَّشخيص القائم الآن من الطَّبيب يعتمدُ في جوهرهِ على إدخال البيانات وعرضها على نظامٍ رقميٍّ، ثمَّ تأتي النتيجة من خلاله! فما الذي يمنعنا من استخدام برنامجٍ ذكيٍّ في أداء هذا الدَّور، الذي يقوم به الطَّبيبُ؟ من الأطباء اليوم مَن لا يكلِّف نفسه عناء القيام بالكشف على المريض إكلينيكيًّا، ولا نراه يبذل أيَّ جهد يُذكر لفحص المريض سريريًّا، فيما يمكننا القيام بهذا الفعل، ونحن متكئُون على الأريكة في المنزل.
المريضُ بطبيعة حالته الصحيَّة في حاجة إلى تفاعل الطَّبيب معه، فهو لم يأتِ إلى هذا المكان لمجرَّد طرح أسئلة فقط، بل يُفترض على الطَّبيب المُعالج أنْ يتحسَّس موضعَ ألمه، وهذا الدور غير موجود عند البعض من الأطبَّاء اليوم، مع بالغ الأسف، أقول ذلك عن سابق تجربة، جعلتنِي أرسم التَّصوُّر الذي أنا بصدد الحديث عنه، تصوُّر يستحق الوقوف عنده، والتأمُّل فيه باستفاضةٍ، فأقصى ما يقوم به الأطبَّاءُ اليوم هو طرح مجموعة من الأسئلة على المريض، ولا أدري إنْ كانت هذه الأسئلة معدَّةً مسبقًا، أم هي أسئلة مُدرجة في جهاز الكمبيوتر، فما يقوم به بعض الأطبَّاءُ اليوم، هو إدخال أجوبة المريض على الجهاز الذي يقبع أمامه، وبناءً على إجابة المريض، يتم تشخيص الحالة من قِبل الجهاز، ومن ثمَّ يتم صرفُ الدَّواء، هذا الدور يمكن أنْ تقوم به تطبيقات المحادثات الذكيَّة كما أسلفت.
في الماضي، بل ومنذ عهد قريب، أذكرُ جيِّدًا عند ذهابنا إلى الطَّبيب كان هناك حوارٌ مباشرٌ يتمُّ بين الطَّبيب والمريض، يعقبه كشفٌ وفحصٌ سريريٌّ دقيقٌ، يمسك الطَّبيبُ بيد المريض ويتحسَّس مواضع الألم فيه، يستمع إلى حديثه عن مرضه، وهو ينظر إليه، وليس إلى جهاز الكمبيوتر، ثمَّ يبني تشخيصه بناءً على ذلك، هذا الإجراء لم يعد موجودًا الآن -كما أسلفت- مع بالغ الأسف في بعض المستشفيات الخاصَّة التي قمتُ بزيارتها شخصيًّا، فكل ما يقوم به الطَّبيبُ هو استجوابُ المريضِ، وإدخال الأجوبة إلى جهاز الكمبيوتر، وهذا لا يعنِي بالضَّرورة التَّقليل من قيمةِ الطبِّ الحديث، أو التقنيات الرقميَّة، لكن هل هذا التصرُّف الذي أشرتُ إليه تصرُّفٌ صحيحٌ؟ وهل نحنُ أمام تطوُّر يحسِّن جودة الرِّعاية الصحيَّة، أم أمام اختزال لدور الطَّبيب في عمليَّة إدخال معلوماتٍ، ومن ثَمَّ يحلِّلها الجهازُ فحسب؟
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store