Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

الأجهزة اللوحية وأخواتها

2

A A
الثورة التقنيَّة التي انفجرت مع بزوغ شمس الألفيَّة، جاءت على كلِّ شيءٍ، فأحالت إنسانَ هذا العصر إلى حالٍ من الرَّخاء والإنجاز الكبير، فلم تنسَ الطفل من خدماتها، مثل ما للكبار، فما عاد الطفل هو الطفل المنهمك في الرسم والتلوين التقليديِّ، ولا الركض في عرصات البيوت، ولا المنشغل في تفكيك الألعاب والبلاستيكيَّات، وإعادة تركيبها وفق صورة ابتكرها خياله مُسبقًا، ولا السَّاهر على قراءة قصص الأطفال الشَّهيرة، بل صار يقوم بها كلها عبر شاشة اللمس، يرسم، ويُلوِّن، ويكتب، ويُفكِّك، ويُركِّب الأشكال الهندسيَّة، ويقرأ القصص، بل صار يَتَلقَّى تعليمه عبر الأجهزة اللوحيَّة، مثلما يُنهي الكبار معاملاتهم الحكوميَّة والخاصَّة عبرها، لقد أمسى الطفل يتحدَّث مع أقرانه من خلالها صوتًا وصورةً، بعد أنْ كان يتوسَّل والديه ليأخذوه إلى أصدقائه لساعة، أو ساعتين ليعود بعدها منهك القوى، فيخلد إلى النوم.
قدَّمت الأجهزة اللوحيَّة وأخواتها خدمةً جليلةً لإنسان هذا العصر، وما أقصده هي الخدمات المدنيَّة التي تمس المواطن، والخدمات التواصليَّة التي قرَّبت وسهلت، أمَّا الجانب المضر بالوقت والنفس والسلوك، فهو الجانب الترفيهيُّ المتجاوز، الذي قفز الطفل عن حدِّه في استخدامه تهاونًا من الكبار الذين وقفوا في حيرة من طوفان التقنية.
في تقديري أنَّ الطفل لم يتغيَّر في ممارسته الطفوليَّة كثيرًا، بل نقلها معه إلى الحياة الرقميَّة التي نعيشها، ما تغيَّر هو تسلُّل الهدر الزَّائد إلى وقته في استخدام تطبيقات وبرامج مُدمِّرة، كمتابعة يوميَّات الآخرين، وملاحقة المقاطع التجاريَّة الترويجيَّة بشكل شَرِهٍ وخطيرٍ، حتَّى آذت سلوكيَّاته قبل طفولته، وشوَّهت خياله البريء، وعطَّلت طاقته الإبداعيَّة التي نراقبها لتنفجر في لحظة مُنتظره، فالحل هو تكثيف التوعية، وزيادة جرعات تشجيعيَّة لينجز الطفل أعمالًا إبداعيَّة أيًّا كان مجالها، حتَّى لا يخسر الوطن مبدعِينَ جددًا.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store