Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

التعليم يضخ.. والسوق يغرق!

No Image

A A
في السعوديَّة اليوم، لم تعد قضيَّة الخرِّيجِينَ مجرَّد ملفٍّ تعليميٍّ، بل أصبحت سؤالًا اقتصاديًّا واجتماعيًّا يمسُّ آلاف الأُسر كل عام.
ففي كل موسم، تتخرَّج دفعات جديدة إلى سوق العمل، محمَّلة بالطُّموح والتوقُّعات، بينما يقف السوقُ أمام أعداد متزايدة من الباحثِينَ عن الفرص، في مشهدٍ يكشف أنَّ الفجوة لم تعد فقط بين "العاطل والوظيفة"، بل بين نوعيَّة ومسارات التَّعليم، وسرعة الاقتصاد واحتياجاته.
خلال السنوات الماضية، شهدت المملكة توسُّعًا ضخمًا في التعليم العالي والابتعاث، وهو توسُّع يحمل جانبًا إيجابيًّا مهمًّا يتمثَّل في رفع مستوى المعرفة، وتأهيل الكفاءات الوطنيَّة، لكنَّه في الوقت ذاته، خلق تحدِّيًا حقيقيًّا يتعلَّق بقدرة السوق على استيعاب هذا الكم المتزايد من الخرِّيجِينَ سنويًّا. فالمعادلة لم تعد بسيطةً كما كانت سابقًا.
في الماضي، كانت الشهادة الجامعيَّة تُعدُّ بوابةً شبه مضمونةٍ للاستقرار المهنيِّ، أمَّا اليوم فقد أصبحت مجرَّد خطوةٍ أولى داخل سباق أكثر تعقيدًا؛ لأنَّ السوق لم يعدْ يبحث عن المؤهَّل فقط، بل عن المهارة، والخبرة، والقدرة على التكيُّف مع اقتصاد يتغيَّر بسرعة هائلة.
وهنا تظهر الإشكاليَّة الأكبر: هل الجامعاتُ تخرِّج فعلًا ما يحتاجه السوق؟ أم أنَّها أحيانًا تواصل ضخ تخصصات تفوق قدرة السوق على الاستيعاب؟
كما أنَّه من غير العادل أيضًا أنْ نضع كامل اللَّوم على الجامعات وحدها، فالقضيَّة أعمق من مؤسَّسة تعليميَّة أو تخصُّصات علميَّة، أو خطط دراسيَّة، جميعها ترتبط بثقافة مجتمعيَّة تراكمت لعقود طويلة، رسَّخت فكرة أنَّ النجاح الحقيقي لا يتحقَّق إلَّا عبر “الشهادة الجامعيَّة”، والوظيفة التقليديَّة المعروفة.
والمشكلة الأكبر هي أنَّه لا يزال جزءٌ كبيرٌ من المجتمع ينظرُ إلى بعض المهن الحرفيَّة، الفنيَّة، التقنيَّة باعتبارها خياراتٍ أقل قيمة اجتماعيَّة، رغم أنَّ كثيرًا من الاقتصادات المتقدِّمة تقوم أساسًا على التَّعليم التطبيقيِّ والمهنيِّ أكثر من اعتمادها على التخصُّصات النظريَّة التقليديَّة.
ولهذا، فإنَّ الأزمة ليست فقط في وفرة الخرِّيجِينَ، بل في محدوديَّة التصوُّرات الذهنيَّة حول معنى القيمة، النجاح والعمل والكسب.
نحن بحاجة فعليَّة إلى إعادة تشكيل الوعي المجتمعيِّ تجاه الوظائف والمهن الجديدة، وإلى كسر الصورة القديمة التي حصرت النجاح في مسارات محدَّدة تتكرَّر منذ عشرات السِِّنين.
فالاقتصاد الحديث لا يحتاج فقط إلى موظَّفِين إداريِّين، معلِّمِين وأطبَّاء.. بل يحتاج إلى تقنيِّين، ومهنيِّين، ومطوِّري أنظمة، وخبراء تشغيل، وفنيِّين، ومتخصِّصِين في قطاعات تطبيقيَّة أصبحت اليوم من أكثر المجالات طلبًا واستقرارًا.
ومن هنا تبرز أهميَّة تعزيز دور المعاهد التقنيَّة والمهنيَّة، ليس باعتبارها “خيارًا بديلًا” لمن لم ينجح أكاديميًّا، بل باعتبارها مسارات إستراتيجيَّة قادرة على بناء اقتصاد حقيقيٍّ ومُستدام.
لكن هذا التحوًّل لن ينجح بمجرَّد فتح المعاهد، أو زيادة أعداد المقاعد التدريبيَّة فقط، بل يحتاج إلى رفع جودة هذه المؤسَّسات، وتحسين البيئة المهنيَّة للخرِّيجِين، وتعزيز الرواتب والمزايا والمسارات الوظيفيَّة المرتبطة بها، حتى يشعر الشابُّ أنَّ هذا الطريق يملك قيمةً اقتصاديَّةً واجتماعيَّةً حقيقيَّةً.
وفي وسط هذا المشهد، يبرز ملف الابتعاث كواحد من أكثر الملفَّات حساسيَّة. فالابتعاث السعوديُّ كان -وما يزال- من أهمِّ أدوات بناء رأس المال البشريِّ، وأسهم في إعداد كوادر وطنيَّة عالية التأهيل، والانفتاح، والخبرة العالميَّة. لكن التوسُّع في الابتعاث دون ربطٍ كافٍ بالمسارات الوظيفيَّة قد يجعل بعض الخرِّيجِين يعودُونَ بتوقُّعات أكبر من واقع السوق نفسه.
ولهذا بدأت تظهر أهميَّة النماذج المرتبطة بالتَّوظيف مثل مسار واعد في برنامج ابتعاث خادم الحرمين الشريفين، الذي يحاول تقليل الفجوة بين الدِّراسة والعمل، عبر ربط الابتعاث باحتياجات فعليَّة، ومسارات مهنيَّة أوضح وأكثر استقرارًا.
وهذه الفكرة ربما تمثِّل أحد أهم التحوُّلات المطلوبة مستقبلًا: ألا يكون التعليم رحلةً منفصلةً عن الاقتصاد، بل جزءًا مباشرًا من احتياجاته؛ لأنَّ القضية اليوم ليست في كثرة الخرِّيجِين بحدِّ ذاتها، بل في طريقة إعدادهم، وتوجيههم، وربطهم مبكِّرًا بالواقع المهنيِّ الحقيقيِّ.
فالطالب لا يحتاج فقط إلى جامعة، بل يحتاج أيضًا إلى وعيٍ مهنيٍّ، وفهمٍ للسوق، ومعرفة دقيقة بالفرص المستقبليَّة، وإدراك أنَّ بعض الأحلام المهنيَّة تغيَّرت طبيعتها بالكامل.
في النهاية لا يُعتبر التخرُّج هو "النهاية السعيدة"، بل بداية اللانهاية لواقع أصبح أكثر تعقيدًا، إن لم يتم الاستعداد له مبكِّرًا بالمهارات الكافية، أو المسارات المرتبطة فعلًا باحتياج الاقتصاد المقبل.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store