Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد المرواني

فوضى الأخلاق.. وبرامج البث

A A
قبل أيامٍ، أثناء انتظار رحلتي، كان الوقتُ يمرُّ ببطءٍ، ثلاث ساعات متبقِّية، والمللُ دفعني لفتح هاتفي، والتجوُّل في برامج «البث المباشر»، حيث قلتُ في نفسي لعلِّي أجدُ شيئًا يكسرُ هذا الانتظار، لكن ما رأيته جعلني أتمنَّى لو أنَّني لم أفتح هاتفي أبدًا.
صدمة.. هذا أقلُّ ما يمكنني قوله، فلم أجدْ بثًّا واحدًا يحترمُ عقلي، أو يقدِّم لي معلومةً واحدةً مفيدةً. كل ما رأيته هو هراءٌ وتهريجٌ، والنَّاسُ تتزاحمُ وتصفِّقُ له، وكأنَّنا فَقَدْنَا بَوصلة الذَّوق تمامًا.
تخيَّلوا، أحد المشاهير -بكلِّ برودٍ- يقولُ لمتابعيه: «لا يغركم اللي تشوفونه، سياراتنا إيجار، وحياتنا كلها كذب وتمثيل». كيف وصلنا لهذا الحدِّ؟ يعترفُ علنًا أنَّه يبيعُ النَّاس «وهمًا مُستأجرًا»؛ ليجمعَ مشاهداتٍ، ويرفعَ اسمَه على حسابِ الصدقِ والنًّبلِ.!
والأسوأ، أنَّني رأيتُ مَن يسبُّ ويشتمُ بألفاظٍ سيِّئةٍ، والنَّاسُ تضحكُ له كأنَّها تسمعُ نكتةً!!
ثمَّ رأيتُ فتاةً تبكي بحرقةٍ في البث، قلتُ لنتابع، فمن المؤكَّد أنَّ وراءها مصيبةً، ولكن كانت صدمتِي كبيرةً، حين عرفتُ أنَّها تبكي وتتوسَّل؛ لِكَي يشترُوا لها سيَّارةً!.
يا جماعة الخير، هل أصبحتْ عقولُنا رخيصةً لهذه الدرجة؟ هل هانت علينا كرامتنَا ودموعنَا؛ لنذرفهَا من أجل «الشحادة» أمام الغرباءِ في سبيل المادَّة؟.
أنا لا أتحدَّثُ عن «برنامج»، أنا أتحدَّثُ عن جيلٍ كاملٍ يضيعُ أمامَ أعيننَا. هذا العالم الافتراضي يظهر بصورٍ لا تمت لنا بصلة، ولا تمت لعاداتنا ولا لتربيتنا بصلة، هل هذه التفاهة هي التي ستبني عقول أبنائنا؟ هل نرضى أن تكون قدوة شبابنا «الشحادة الإلكترونيَّة»، والابتذال؟.
أغلقتُ هاتفي، وركبتُ طائرتِي، وبقيتْ تلك المشاهدُ تغلي في رأسي.
نحتاجُ وقفةً صادقةً مع أنفسنا؛ لنحمي أبناءنا من هذا المستنقع، ونذكِّرهم أنَّ قيمتهم في أخلاقهم وعقولهم، لا في عدد «اللايكات»، والمشاهدات الكاذبة.
وتمنَّيتُ -حقًّا- أنْ يكون هناك تدخُّلٌ من الجهات المعنِّية؛ للحدِّ من هذه الظاهرة، التي بدأت تتفشَّى وتنتشرُ في مجتمعنا، قبل أنْ تبتلع ما تبقَّى من وقارنا، وقيمنا الأصيلة.
* خاتمة:
نبحثُ عن المفيدِ في وسائل التواصل الاجتماعيِّ، ولكنْ أصبح المفيدُ قليلًا، فهل نحتاجُ إلى ضبط مَن حولنَا، وخاصَّةً أطفالنَا؟ هل نستطيعُ ضبط هواتفِ طلابنَا في مدارسِنَا؟!.. هذا ما أتمنَّى.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store