Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. أيمن بدر كريّم

وحشة في زمن الأنانية

A A
تنبع معظم القِيم –في عمقها– من نزعة أنانيَّة خفيَّة، كما أنَّ معظم «الشَّغف» لا يستدعي تلك المنافسة المحمومة، التي يظنُّها النَّاسُ شرطًا للنَّجاح. ومع ذلك، تنتهي مصائر كثيرة إلى شيء من العبث، وكأنَّ الحياة –في أحد وجوهها– فقاعةٌ من النَّدم، وخيبة الرَّجاء.
لا بأس في ذلك، ما دام الإنسانُ قادرًا على فهم هذا الواقع، والاستعداد له، والتعَّاطي الصحِّي معه. يقول (كامو): «صدِّقني، ليس هناك ما يُسمَّى ألمًا عظيمًا، أو ندمًا عظيمًا، أو ذكرياتٍ عظيمةً؛ كل شيء يُنسََى، حتَّى الحب العظيم».
في عصر ما بعد الحداثة، يتكلَّم عالمُ الاجتماع (زيجمونت باومان) عن «الحب السائل»؛ أي العلاقات العاطفيَّة الهشََّة سَّريعة التشكُّل والانتهاء، بحيث تصبح العلاقة الإنسانيَّة تجربةً يمكن الدخول فيها، والخروج منها بسهولةٍ؛ بحثًا عن إشباع سريع بأقل قدرٍ من الالتزام والمسؤوليَّة.
وبهذا، لا يُنظر إلى الآخر كشريكٍ، بل بوصفه «خيارًا» يمكن استبداله، فتتحوَّل الروابطُ إلى صلاتٍ خفيفةٍ تتحرَّك بمنطق السوق: جذب، ثمَّ ملل، ثمَّ بحث عن بديل. وهكذا يزداد شعور النَّاس بالوحدة والهشاشة، رغم كثرة معارفهم وتواصلهم، فتتآكل الرَّوابطُ، ويصير الإنسانُ أكثرَ انغلاقًا على ذاته، حتَّى يذوب الفردُ في قطيع تحكمه نزعة استهلاكيَّة جارفة، وتغوُّل للأنانيَّة، ويتحوَّل الإنسانُ نفسه إلى سلعةٍ.
هذا التصاعد في الأنانيَّة والتوحُّش، انعكاسٌ لأزمة نفسيَّة واقتصاديَّة وأخلاقيَّة أعمق: فقدان المعنى، وتنامي الحرص، وانحسار الطمأنينة. إنَّ الإنسان يتحوَّل من كائنٍ اجتماعيٍّ تراحميٍّ، إلى كائنٍ تنافسيٍّ شرسٍ، تحكمه الرغبة في التفوُّق والامتلاك؛ وكما رأى (روسو)، فإنَّ التنافس هو ما أخرج الإنسانَ من براءته الطبيعيَّة، وأدخله في صراعٍ حضاريٍّ قائمٍ على التفاوت والاستحواذ.
حتى مظاهر الخير لا تخلو –غالبًا– من دوافع أنانيَّة، كسعي للظهور، أو خوفٍ من العقاب، أو حمايةٍ لمكتسبات شخصيَّة. ومع تراجع الإحساس بالانتماء، يتعاظم الشعور بالاغتراب، وتتفاقم الاضطرابات النفسيَّة، وتضعف الثقة المتبادلة.
لا يبدو ما تقدَّم اضطرابًا عابرًا في العصر الحديث، بل هو اتجاهٌ ثابتٌ يعيد تشكيل الإنسان والعلاقات على مقاس «الأنا»، ومقتضيات المنفعة. وإذا استمرَّت الأنانيَّة في النموِّ خلف الأقنعة الأخلاقيَّة، فلن يكون تآكل المعنى، وانهيار الرَّوابط استثناءً، بل سيكون قاعدةً عامَّةً، واستمرارًا منظَّمًا للانحدار المقنَّع بشعارات الفضيلة.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store