يُعدُّ الكتابُ ركيزةً حضاريَّةً راسخةً، وعنوانًا صادقًا على مستوى الأمم وتطوُّرها الفكريِّ والعلميِّ، وفي عصرٍ تتسابق فيه الشعوبُ نحو صناعة المعرفة وتوطينها، باتت حركة التأليف والنَّشر مؤشرًا بالغ الدلالة على حيويَّة المجتمعات، وقدرتها على الإسهام في الحضارة الإنسانيَّة، وتقف المملكة اليوم، أمام فرصة تاريخيَّة لاستثمار طاقاتها الفكريَّة، وتعزيز حضورها في خارطة الإنتاج المعرفيِّ العالميِّ، لا سيَّما في ظلِّ رُؤية 2030 التي تُرسِّخ الاقتصاد المعرفيَّ كركيزةٍ أساسيَّة للتنويع والتنمية.
شهدت المملكة في العقود الأخيرة نموًّا ملحوظًا في حركة التأليف والنشر، ويتوزَّع التأليف في المملكة على تخصصات متعدِّدة تشمل العلوم الشرعيَّة والإسلاميَّة التي تحظى بحضورٍ تاريخيٍّ راسخٍ، إلى جانب العلوم الإنسانيَّة والاجتماعيَّة، فضلًا عن بدايات واعدة في التأليف العلميِّ والتقنيِّ والطبيِّ، ومقارنة مع دول العالم؛ تُنتج الولايات المتحدة الأمريكيَّة وحدها ما يزيد على مليون عنوان جديد سنويًّا، فيما تتصدَّر المملكة المتحدة وألمانيا والصين قائمة الدول الأكثر إنتاجًا في النشر الأكاديميِّ والعلميِّ، وعلى المستوى العربيِّ، تتقدّم مصرُ ولبنانُ تاريخيًّا في حجم الإنتاج المعرفيِّ والتأليفيِّ، وإنْ كانت دول الخليج تُبدي في السنوات الأخيرة تقدُّمًا متصاعدًا في هذا المجال.
ويكشف تقرير اليونسكو للقراءة والنشر، أنَّ معدل إنتاج الكتب لكل مليون نسمة في الدول المتقدِّمة يفوق نظيره في الدول النامية بعشرات المرَّات.
ومن أهم عوامل النجاح في الدول الرَّائدة التي تدعم حركة التأليف هو: توفير منظومة دعم حكوميٍّ مباشر لصناعة النشر، وإرساء بيئة تشريعيَّة تحمي حقوق المؤلِّف، وتُحفِّز الإبداع، وتبنِّي الجامعات سياسات تقييم أكاديميَّة تجعل التأليف والنشر العلمي شرطًا جوهريًّا للترقِّي الوظيفيِّ والتميُّز المهنيِّ.
وإذا جاز لي الاقتراح، فإنَّني أقترحُ تخصيص صندوق وطنيٍّ للنشر يتكفَّل بتكاليف الطباعة والتوزيع للمؤلِّفين السعوديِّين في التخصصات ذات الأولويَّة، مع منح ماليَّة تُقدَّم للمؤلِّفين الجدد لتشجيعهم على الخوض في تجربة التأليف لأوَّل مرَّة.. وحماية حقوق الملكيَّة الفكريَّة، إذ لا يمكن لأيِّ بيئة تأليفيَّة أنْ تزدهر في غياب منظومة قانونيَّة صارمة تضمن للمؤلِّف حقوقه الماديَّة والأدبيَّة، وتُجرِّم القرصنة والتَّعدي على إبداعاته.. والشراكة مع القطاع الخاص، من خلال إنشاء منصَّات رقميَّة وطنيَّة للنشر الإلكترونيِّ بتكاليف رمزيَّة، وتحفيز دور النشر المحليَّة على اكتشاف المؤلِّفين الموهوبِين ورعايتهم.
أمَّا عن دور الجامعات فهي تحتلُّ موقعًا محوريًّا، في تحفيز أعضاء هيئة التدريس على تأليف الكتب العلميَّة، ويستلزم ذلك في المقام الأوَّل إعادة النظر في منظومة الحوافز والمكافآت، بحيث يُمنَح عضو هيئة التدريس الذي يُؤلِّف كتابًا أكاديميًّا أو علميًّا مكافأةً ماليةً مجزيةً تُعادل أهميَّة هذا الإنجاز، وتُقدِّر ما بذله من جهد فكريٍّ وزمنيٍّ.
كما ينبغي أنْ يكون التأليف معيارًا معتمدًا وصريحًا في ملفَّات التَّرقية الأكاديميَّة، مع تخفيف الأعباء التدريسيَّة عن المؤلِّفين طوال فترة كتابة مؤلَّفاتهم، وتزويدهم بمساعدِين بحثيِّين يُعينونهم على إنجاز أعمالهم، فضلًا عن ذلك، يمكن للجامعات إطلاق جوائز تأليف سنويَّة في مختلف التخصصات، وتكريم المؤلِّفين المتميِّزين في احتفاليَّات رسميَّة، تُعلي من قيمة الكتاب، وتُكرِّم أصحابه.
وفي سياق الحديث عن تعزيز ثقافة التأليف والإبداع، تبرز معارض الكتاب في المملكة، بوصفها إحدى أهم المنصَّات الثقافيَّة والمعرفيَّة التي أسهمت في تنشيط حركة التأليف والنشر، إذ تحوَّلت هذه المعارض في السنوات الأخيرة إلى ملتقيات حضاريَّة تجمع المؤلِّفين والنَّاشرين والمثقَّفين والقرَّاء تحت سقف واحد، وتفتح آفاق الحوار وتبادل الخبرات والتجارب الفكريَّة، وقد شهدت معارض الكتاب، وفي مقدِّمتها معرض الرياض الدولي للكتاب، ومعرض جدة للكتاب، تطورًا لافتًا من حيث حجم المشاركة المحليَّة والدوليَّة، وتنوُّع الإصدارات، والبرامج الثقافيَّة المصاحبة، بما يعكس الاهتمام المتزايد بصناعة الكتاب، وتعزيز حضور المؤلِّف السعوديِّ. كما تُسهم هذه المعارض في اكتشاف المواهب الجديدة، وتحفيز الشباب على خوض تجربة الكتابة والتأليف، فضلًا عن دورها في ترسيخ عادة القراءة، وتعزيز الوعي الثقافيِّ في المجتمع، فالكتاب لا يزدهر إلا في بيئة تحتفي به، والمعارض الثقافية تُعد نافذة حضاريَّة تُسهم في بناء مجتمع المعرفة، الذي تتطلَّع إليه المملكة في ظلِّ رُؤية المملكة ٢٠٣٠.
كما أنَّ معظم مراكز المعلومات وقواعد البيانات العالميَّة تعتمد في بناء محتواها المعرفيِّ على الكتب والدراسات المنشورة، سواءً الورقيَّة أو الإلكترونيَّة؛ ممَّا يجعل النشر العلمي والمعرفي إحدى أهم أدوات الحضور والتأثير في العصر الحديث. ومن هنا تبرز أهميَّة التوسُّع في نشر الكتب الإلكترونيَّة؛ لما توفِّره من سهولة الوصول والانتشار العالمي، وانخفاض تكاليف النشر والتوزيع، وقدرتها على إيصال المعرفة السعوديَّة إلى القارئ في مختلف أنحاء العالم
إنَّ بناء ثقافة تأليفيَّة راسخة في المملكة هو هدف قابل للتحقق متى توافرت الإرادة المؤسسيَّة والدعم اللازم، فالكفاءات موجودة، والمعرفة متاحة، والحاجة إلى توثيقها وتوطينها أشد ما تكون إلحاحًا في هذه المرحلة.
إن الكتاب السعودي الذي يحمل هوية محلية ورؤية عالمية هو الجسر الحقيقي، الذي يعبر بنا نحو مجتمع المعرفة، ونحو مكانة حضارية جديرة بأمة تمتلك إرثًا فكريًّا عريقًا، وتطمح إلى مستقبل أكثر إشراقًا.


