أنعمَ اللهُ علينا بنِعَمٍ لا تُعَدُّ ولا تُحصى، ومن أعظمها أنَّ أرضَنا لم تَذُق مرارةَ الاستعمار. وللاستعمار شرورٌ كثيرةٌ، في طليعتها ظلمٌ فادحٌ يتشعَّب إلى مستوياتٍ شتَى: دينيَّةٍ وتراثيَّةٍ وعرقيَّةٍ وشخصيَّةٍ. وعلى امتداد تاريخه بأشكاله وألوانه، أتقن المستعمِرُ أشكال ذلك الظلم، ومنه حجبُ حقائق الإساءة إلى الشُّعوب المُستعمَرَة عن مجتمعات الدول المستعمِرِة اتِّقاءً للمساءلة، ولا سيَّما حين تتزيَّن تلك المجتمعات بشعارات حقوق الإنسان، وتقاليدها المختلفة.
وفي هذا السياق يجيءُ الحديث عن الكتاب الهولنديِّ الشَّهير «ماكس هافيلار» للكاتب «مولطالولي»، وهو اسمٌ مستعارٌ ذو أصلٍ لاتينيٍّ ومعناه: «وصلتْ معي المعاناةُ»، واسم الكاتب الحقيقي هو «إدوارد دويس ديكر». تدور أحداث الكتاب في القرن التاسع عشر في «جزر الهند الشرقيَّة الهولنديَّة»، التي تحوَّلت لاحقًا إلى الدولة الإندونيسيَّة الشقيقة في ديسمبر 1949. ويروي الكتاب فصولًا مُوجعةً من جشع الاستعمار الهولنديِّ. وقد تمثَّل ذلك النَّهب في ممارساتٍ عدَّة، من أبرزها: إرغام الأهالي على زراعة المحاصيل الأعلى ربحًا للتَّصدير إلى أوروبا بأدنى التكاليف، بدلًا من المحاصيل التي تعودُ بالنَّفع المباشر عليهم. وكانت القهوة في مقدِّمتها؛ فخلف كل فنجانٍ يُحتَسى في مقاهي أوروبا قصصُ صراعٍ إنسانيٍّ، ووراء كلِّ رشفةٍ ضحايا، وقد صوَّرها الكاتب الهولنديُّ الشجاعُ بأسلوبٍ بليغٍ لا يخلو من القسوة التي يفرضها الواقع.
ولمَّا نُشر الكتابُ في هولندا عام 1860 أحدث ضجّةً عارمةً لما انطوى عليه من جرأةٍ في الكشفِ والفضحِ؛ بل إنَّ الكاتب تحدَّى صراحةً أنْ يأتي أحدٌ بما يدحض ما وصفه من ظلمٍ وبشاعةٍ. وفي خاتمة العمل دعا قيادة البلاد إلى إعادة النَّظر في التجاوزات التي كانت تُمارَس بحق الشعب الإندونيسيِّ. وقد نوقش «ماكس هافيلار» بجديَّة في البرلمان الهولنديِّ، وفي الأوساط العامة داخل هولندا وخارجها، وأثار تساؤلاتٍ عميقة حول ممارساتٍ استعماريَّةٍ تتناقض مع المبادئ الأساسيَّة لحقوق الإنسان التي عُرفت بها هولندا. ويُحسب لهذا الكتاب أنَّه أسهم في إحداث تغييراتٍ ملموسة في سياسة الدولة. وللعلم، فقد تُرجم إلى أكثر من أربعين لُغةً، ولا توجد تقديراتٌ دقيقةٌ لعدد نسخه المبيعة، غير أنَّه يُعدُّ -بلا منازع- أحد أهم الأعمال المؤسَّسة في الأدب الهولنديِّ وأكثرها تأثيرًا.
واليوم، يبدو العالم أحوجَ ما يكون إلى أعمالٍ من طراز «ماكس هافيلار»، أعمالٍ تُزيح الستار عن الحقائق، وتوقظ الحسَّ الإنسانيَّ إزاء ما يقع من انتهاكات. وفي هذا الإطار تتبدَّى الحاجة إلى مزيدٍ من الجهود التي تكشف الجانب اللاإنساني للاحتلال الصهيونيِّ. ومن التحدِّيات التي تواجه الضمير العالمي -للأسف- أنَّ شطرًا معتبرًا من المجتمع الإسرائيليِّ، ومعه نسبةٌ لا بأس بها من شعوب العالم، على علمٍ بما يجري من ممارساتٍ بحقِّ الأبرياء في قطاع غزَّة، والقُدس، والضفَّة الغربيَّة، وسائر الأراضي المحتلَّة.
أمنيــــــــة
من العِبَرِ التاريخيَّة اللافتة، أنَّ المجتمع الهولنديَّ قد اهتزَّ وتأثَّر تأثيرًا بالغًا بفعل حكايةٍ واحدةٍ في القرن التاسع عشر، فكان لذلك أثرٌ في كبحِ ممارساتٍ استعماريَّةٍ قاسيةٍ. أتمنَّى أنْ نجد من الأعمال والكلمات ما يُحرِّك الضمير العالميَّ، ويُسهم في تغيير الأوضاع المأساويَّة التي نشهدها اليوم ضد المدنيِّين الأبرياء في فلسطين، والسودان، وكلِّ مكان -بتوفيق الله-.


