عاتبَ اللهُ -سبحانَه- رسولَه الكريم في عدِّة مواضع قرآنيَّة، وغالبها عتابُ محبَّة أو توجيهٍ، ولكن أقوى عتاب من الله لحبيبه وخليله، كان في (سورة عبس)؛ لإعراض النبيِّ عن ابن أم مكتوم الأعمى، وانشغاله بدعوةِ سادات قريش؛ أملًا أنْ يهديهم الله؛ لينتفع بهم الإسلام.. عاتبه ليظهر لنا قيمة إنسانيَّة وأخلاقيَّة عُليا وهي (الابتسامة)، والإقبال على السَّائل، مهما كان مستواه الاجتماعي، أو حتَّى حينما لا يبصر؛ لأنَّ بصيرته الفطريَّة تجعل الإحساس الداخلي بالآخر مدوِّيًا، والإقبال بالرُّوح وصدق المشاعر هي ضوء الشَّمس بالإحسان.
وهناك أمثلة كثيرة عمَّا تتركه الابتسامةُ الصادقةُ من أثرٍ في الآخرين، ومنها قصَّة وصلتني مؤخَّرًا عن ذلك الشَّاب اليمنيِّ الذي هاجر إلى روسيا؛ ليلاحق لقمة العيش؛ لينفق على أسرته، ويفتح مطعمًا صغيرًا يُدرُّ عليه ما يسدُّ رمقَه ورمَقَ عياله، وفي أحد الأيام تأتي امرأةٌ عجوزٌ تسير في الشَّارع، بينما هو يفرغ بضاعة المطعم، وإذا بها تلتقط بعض الخضراوات، وتقول له: بكم هذه؟، ظنًّا منها أنَّها للبيع.. فاقترب منها، ولم يكسر بخاطرها، بل ابتسم لها وقال: هذه هديَّة منِّي لك.. لم تصدِّق السيدة هذا السَّخاء.. وبعد يومين أخذته إلى دائرة المواريث، وكتبت لهُ كلَّ أملاكها كوريثٍ وحيدٍ لها.. ثمَّ سألته عن دينهِ، فأجابهَا.. فإذا بها تدخلُ في الإسلامِ، وتنطق الشَّهادتَين، ثمَّ بتسخير الله تطيرُ الحاجَّةُ الروسيَّةُ إلى مكَّة، وتقفُ تحت باب الكعبة تشكرُ اللهَ الذي هداها للإسلام.. ثمَّ بعد عشرين يومًا فقطْ من عودتها من رحلة العُمر تفارق الحياة..
نعم، لقد بنى ذلك الشَّاب بابتسامتهِ وكلماتهِ الطَّيبة بيتًا في الجنَّة بهداية إنسان وجبر خاطره.
ما أحوجنا في هذه الدُّنيا أنْ نجعل من (الابتسامة) قيمةً أخلاقيَّةً؛ تظهر نقاء الإنسان وسلامة صدره.. تلك الابتسامة المحلِّقة بجمال الرُّوح، وطهارة النَّفس، وسموِّ المبدأ، الذي ينعكس على جمال المظهر ببشاشة الوجه.
وما أحوجنا ونحن في موسم الحجِّ، أن نجعل من الابتسامة طريقًا لقلوب ضيوف الرَّحمن، وامتصاصًا لحالات غضب أو توتر لأسباب متنوِّعة، وفي هذا أثر كبير في سمعة شركات الضيافة، أو حتى مراكز الضيافة.
وحقيقة، فمهما تغيَّرت الأسماء، فخدَّام ضيوف الرَّحمن -ومنذ عهد (الطوافة) الفرديَّة، أو المؤسَّسات، أو الآن الشَّركات- يتمتَّعُون بـ(أخلاقيَّات المهنة)، وقد أصدرت الهيئة التنسيقيَّة لأرباب الطوافة (ميثاقًا لأخلاقيات مهنة الطوافة) منذ عام ٢٠١٠م، تشمل مجموعة القيم والمبادئ في التعامل مع ضيوف الرحمن؛ ومنها الصبر، والبشاشة، والأمانة، والتسامح والنزاهة، مع الالتزام بالإجراءات التنظيميَّة وفق متطلبات العمل.. وتقدم سنويًّا دورات تدريبية في مراكز العاملين بالحج، ومنها دورة (ترحاب)، التي قدمت لآلاف من العاملين خلال السنوات الماضية، وحتمًا نتطلَّع أنْ تكون تطبيقًا واقعيًّا في الميدان.
إنَّ حل المشكلات بالابتسامة والمرونة والاتِّزان في المشاعر، وضبط السلوك حسب كل موقف، يقضي على المشكلات في مهدها، بحيث لا يجعل الإنسان من لحظات الإجهاد طريقًا للعصبيَّة والتصرف بعدم اتِّزان.. بل مقاومة ذلك بالذَّكاء العاطفيِّ والصَّبر.. فاللهُ -سبحانَهُ وتعَالَى- يقولُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). فأيُّ رباط أعظم من موسم الحجِّ، سواء للعاملين الذين يعايشُون ضغوطًا جمَّةً، منها الزَّمن، وكثافة الحشود، ومحدوديَّة المكان.. ولكن مع ذلك تبقى الابتسامة هي تذكرة العبور لقلوب الآخرين.. وليحرص الحاجُّ من جهةٍ أُخرى على ضبط النَّفس، فالحجُّ أفضلُ الأعمالِ عندَ اللهِ، وثوابُه يعدلُ ثوابَ الجهادِ في سبيلِ اللهِ، وليسَ لهُ جزاءٌ إلَّا الجنَّة.


