لا يعاني سكان القرى والأرياف ما يعانيه سكان المدن الرئيسية من عدم استيعاب المقابر لموتاهم الذين لا يتوقف قطارهم؛ وذلك لأسباب ثلاثة: الأول - قلة موتى القرى نتيجة قلة السكان مقارنة بالمدن. الثاني - وجود المساحات التي تمكنهم من استحداث مقابر جديدة متى امتلأت المقابر القديمة. الأخير (وهو الأهم) - اعتماد سكان القرى في مقابرهم ما يسمى (الشَّق) بدلًا من (اللَّحد)؛ فالشق عبارة عن حفرة نازلة في الأرض مبنية جوانبها، وتكون بوابتها في سقفها أو في أحد رأسيها بحيث يسهُل فتحها مرة أخرى، وهذه الحفرة لا يُكتفَى بالدفن فيها مرة واحدة؛ بل يمكن الدفن فيه مجددًا بعد أن تصبح الجثة السابقة (رفاتًا) بحيث يُجمع هذا الرفات ويوضع في جانب من القبر. وهذا خلاف اللحد الذي هو حفرة يُشَقُّ في جانبها السفلي (القِبْلي) شقٌّ وتوضع فيه الجثة وتُقفل باللبِن أو الحجارة، ثم يُهال التراب في فراغ القبر حتى يمتلئ، وبالتالي يصعب حفره مرة أخرى.
مشكلة مقابر المدن هو اعتمادها ما يسمى (اللحد) مقابل إهمال ما يسمى (الشق)، وكما رأينا أعلاه فاللحد يُكتفى بالدفن فيه مرة واحدة بحيث يبقى اللحد مُلكًا للجثة الأولى إلى الأبد، ومتى كانت الحال هكذا فهذا يعنى (نفاد) المساحات في المقبرة؛ نظرًا لكثرة الموتى ولتخصيص هذه المساحة (اللحد) لجثة واحدة لا يُشاركها فيه أحد.
نعم، ليست كل مقابر المدن تعتمد ما يسمى (اللحد)؛ فبعضها ربما يعتمد في نواحٍ منها ما يسمى (الشق)، لكن الغالب على الاستعمال هو اللحد، وهو الأمر الذي عجَّل كثيرًا بامتلاء مقابر المدن بالقبور فأصبحت لا تستوعب موتى جددا ما جعل أمانات بعض المدن تقع في حيرة من أمرها وهي تبحث عن مساحات واسعة لتجعل منها مقابر جديدة.
هنا لا تغيب عنا الطريقة التي يُدفَن بها الموتى الذين يُصلى عليهم في الحرم المكي -وهم بالعشرات وبشكل يومي لا ينقطع- حيث يُذهب بهم لمقبرة المعلاة القريبة من الحرم، وهُناك نجد أن القبر فيها على هيئة (الشق) وليس (اللحد)، وهو ما يعني استيعاب القبر الواحد للجثث بشكل متتابع لا يتوقف، وهذا جاء لكون (الشق) يستوعب الجثث الجديدة بعد تنحية (رفات) الجثة القديمة في جانب منه، ولكون هذا الشق يسهل فتحه، ولكونه ليس مخصصًا لشخص بعينه كحال اللحد، ولو كانت مقابر الحرمين (المعلاة - البقيع) عبارة عن لحود لأُغلقت منذ مئات السنين، ولامتلأت المدينتان المقدستان بالمقابر.
من هنا فالمأمول من أمانات المدن (وبلديات المحافظات) متى استحدثت مقابر جديدة -وكذلك الحال مع المساحات المتبقية من المقابر القائمة- أن تعمد لجعلها (شقوقًا)، ولا تتساهل مع رغبات مَن يريد لهذه المقابر أن تكون (لحودًا) فتبقى المشكلة قائمة.


