هي رحلةٌ أستعينُ فيها بذكرياتِي وأمانِيَّ تخيَّلتهَا وأتخيَّلهَا كلَّ حينٍ. بدأتُ التجوُّل في حرَّة المدينة، كما سمَّيتُها في رسالتِي للدكتوراة قبل أربعين سنةً تقريبًا. تجوَّلتُ فيها عندما لم تكن هناك طرقٌ، من منطقة الوبرة أقصى الجنوب، وحتَّى موقع الثوران البركانيِّ التاريخيِّ المهيب الذي حدث قبل 800 عامٍ تقريبًا.
أغمضُ عيني لأرى ذلك الحلم، أتصوَّره وقد أصبحَ واقعًا ملموسًا، يجمع بين سحر الطبيعة، وعبقريَّة التَّخطيط، ولنبدأ معًا هذه الزيارة التخيُّليَّة لمشروع متنزَّه المدينة البركانيِّ، والذي أتمنَّى أنْ يرى النُّورَ يومًا ما.
وصلتُ مدينةَ المصطفى بالقطار، قادمًا من جدَّة. عند مغادرتي الصَّالة، استوقفتنِي لوحاتٌ وصورٌ جويَّة لحرَّة المدينة، وبراكينها، تشجِّع الزَّائر على زيارة «متحف المدينة البركاني» على بُعد عدَّة كيلومترات قريبًا من محطَّة القطار. بعد إتمام تسجيل إقامتِي، أطلقتُ العنانَ لخطَّتي عبر منصَّة المتنزَّه. لفت انتباهي كيفَ رُبط المشروع بشبكة طرق متكاملة، فالوصول إليه متاحٌ جوًّا عبر مطار المدينة، وعبر محطَّة القطار، ومفتوحٌ للقادمِينَ من شبكة الطرق البريَّة كطريق جدَّة السَّريع، وطريق تبوك، وطريق القصيم السَّريع، وطريق المهد، وحتَّى عبر الطريق الدائريِّ الثالث؛ ممَّا يجعله وجهةً عالميَّةً بامتيازٍ. ستبدأ رحلتِي الفعليَّة غدًا، أمَّا اليوم فهو مخصَّص أوَّلًا لزيارة المسجد النبويِّ الشَّريف، والصَّلاة فيه، والسَّلام على الحبيبِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-.
في صباح اليوم التالي، (وهنا أذكِّرَكُم وأذكِّرُ نفسي أنَّني أحلمُ وأتخيَّل)، انطلقتُ مع مجموعة سياحيَّة في سيَّارات دفع رباعيٍّ نحو «مركز الزوَّار»، ومتحف المدينة البركاني المبني بحجارةِ الحرَّة البازلتيَّة ليندمج مع بيئته، وهو غير موجود في الواقع حاليًّا. هناك، استعرضنَا خريطةَ المتنزَّه التي تخيَّرنا بين أربعة مسارات جيولوجيَّة مبهرة صُمِّمت بعنايةٍ لتغطِّي معالم الحرَّة.
بدأنا بـ»مسار البراكين واللابات التاريخيَّة»، حيث عشنا قصَّة الثوران الذي استمرَّ 52 يومًا. تجوَّلنا بين منطقة البراكين الستة، واستكشفنا أسرارَ الكهوف البركانيَّة المُدهشة. ثمَّ انتقلنا إلى «مسار زرقة أبو زيد، وبركان مصودعة»، لنسير فوق منطقة الشقوق، ونتسلَّق فوَّهة بركان سكوريا. وفي «مصودعة» العجيب، عشنا تجربةً استكشافيَّةً فريدةً تضمَّنت السَّير على لاباته، والبحث بشغف عن «بلورات البلاجيوكليز» اللامعة.
تغيَّرت ألوان الطبيعة حين سلكنا «مسار البراكين التراكيتيَّة»؛ فاتَّجهنا لبركان «ماطان»، و»مويطين». هناك تأملنا «القنابل البركانيَّة» المتناثرة، ونزلنا راجلين في مغامرة داخل فوَّهات «القورات» ذات الصخور المصفَّرة. واختتمنَا يومنَا بـ «المسار البانوراميِّ» الممتدِّ جنوبًا حتى منطقة العفيريَّة؛ لنقف مشدوهِينَ أمام الختامِ المهيب: بركان «أم رقيبة» الشَّامخ الذي يعطينا ظهرَه في وداعٍ صامتٍ.
نُنهي رحلتنَا هنا، ونستيقظ من حلمنَا الذي كانت براكينه واقعًا على الأرض. وقريبًا -بإذن الله- سيكون هناك متنزَّه بركاني، ولا أشكًّ للحظة أنَّ المسؤولين يعملُون لتحقيقه، ليكون واقعًا على الأرض: المسار أعلاه موجود، وبراكينه هناك، وغدًا سيكون واقعًا -بإذن الله- متنزهًا عالميًّا منظمًا بمساراته، وشبكة طرقه، ومتحفه، يبث روحًا جديدةً في السياحة الجيولوجيَّة في المدينة المنوَّرة.


