في كلِّ موسم حجٍّ، لا تتحرَّك الوفودُ وحدها نحو المشاعر المقدَّسة، هناك أيضًا وفودٌ أخرى تصلُ محمَّلة بالكاميرات، والعدسات، وأجهزة البث، جاءت من مختلف أنحاء العالم؛ لتروي الحكاية، والحقيقة أنَّ الحجَّ لم يكنْ يومًا مجرَّد موسمٍ تعبديٍّ فحسب، وإنَّما مساحة هائلة تمشي فيها الإنسانيَّةُ كلها تحت مظلَّة واحدةٍ، ولهذا تبدُو الكلمة هنا مختلفة، أكثر حساسيَّة -وأكثر مسؤوليَّة- وأكثر حضورًا أمام الله قبل النَّاس.
الحجُّ بالنسبة للإعلاميِّ ليس زحام مشاهد فقط، ولا سباق نقل، ولا محاولة اقتناص مقطع يحقِّق الانتشار، الحجُّ مدرسةٌ مهنيَّةٌ كاملةٌ، وفرصةٌ نادرةٌ لاختبار صدق الرسالة؛ لأنَّك تعمل في ظرف ومكان استثنائيٍّ، ومشهد تراقبه الأرضُ كلها، ولهذا أرى دائمًا أنَّ «الإعلاميَّ» الحقيقيَّ في موسم الحجِّ لا يكتفي بنقل الصورة، وإنَّما يبحث عن روحها، عن التَّفاصيل الصَّغيرة التي لا يلاحظها الكثيرُ، عن التعب الذي يُبذل بصمتٍ، عن رجال ونساء يعملُون في الميدان منذ ساعات الفجر الأُولى حتى آخر اللَّيل، حتى يظهر المشهد بهذه الطمأنينة التي يراها الحاجُّ.
وفي المقابل، هناك جانبٌ آخرُ يثير القلق فعلًا، وهو الاستسهالُ الذي بدأ يتسلَّل إلى بعض منصَّات التواصل، وكأنَّ الكلمة فقدت وزنها، أو أنَّ نشر أيِّ معلومة حتَّى لو كانت غير دقيقة أصبح أمرًا عاديًّا البعضُ يكتبُ خبرًا غير مؤكَّدٍ، وآخرُ يعيدُ نشره، وثالثٌ يبنِي عليه تحليلاتٍ وتعليقاتٍ، وخلال دقائق تتحوَّل الإشاعةُ إلى «حقيقةٍ»! عند شريحةٍ كبيرةٍ من النَّاس.
المشكلة ليست في الخطأ وحده، المشكلة في الجرأة على الحديث دون معرفةٍ، وفي القفز فوق المصادر الرسميَّة، وفي تحويل المنصَّات إلى مساحة مفتوحة لصناعة البلبلة، والمؤلمُ أكثر أنَّ بعض هذه الطروحات تأتي أحيانًا بصيغةِ الواثقِ تمامًا، فيصدِّقها النَّاسُ، خاصَّة العامَّة الذين لا يملكُون أدوات التحقُّق، أو معرفة تفاصيل الأنظمة.
اليوم، ومع تطوُّر أدوات «الذكاء الاصطناعيِّ»، أصبحت المسألة أخطر بكثير، صورة مفبركة، مقطع صوتي، مشهد مصطنع لكارثة أو حادث أو تدافع.. وكل ذلك يمكن إنتاجه خلال دقائق، ونشره على نطاق واسع، البعض يتعاملُ مع الأمر وكأنَّه لعبة تقنيَّة! ولا يدركُ أنَّ هناك قلوبًا ترتجفُ خلف الشاشات، وأسرًا تتابعُ أبناءها في الحجِّ، وأمهاتٍ قد يُصيبهنَّ الهلعُ من مشهدٍ مزيّفٍ لا أصل له.
ولذلك تبقى «أمانة الكلمة» أبعد من مجرَّد نقل حدث، أو توثيق مشهد؛ لأنَّ الحج في جوهره مساحة إنسانية هائلة، وكل من يقترب منه بعين المهنة يكتشف أنَّ التفاصيل الصغيرة فيه أعمق من أنْ تُختصر في خبر سريع، أو صورة عابرة، نعم الصورة تملكُ دهشتها الخاصَّة، وأحيانًا تستطيعُ لقطة واحدة أنْ تقول ما لا تقولهُ صفحاتٌ كاملةٌ، ولهذا نرى اليوم، جيلًا جديدًا من المصوِّرين يلتقط المشهد بحسٍّ مختلفٍ، ووعيٍ بصريٍّ لافتٍ، لكن مع ذلك تبقى هناك منطقة أخرى لا تصل إليها العدسةُ وحدها منطقة البُعد والعُمق في الرسالة ذاتها.
الحجُّ ليس مشهدًا يُرى -فقط-، وإنَّما هو إحساسٌ يُقرَأ أيضًا، وهنا تبدأ الحكاية الحقيقيَّة للكلمة.
الكلمة القادرة على التقاط روح المكان، لا ازدحامه فقط، والكلمة التي ترى الإنسان داخل المشهد، لا المشهد وحده، وربما لهذا يبدُو الحجُّ في كلِّ عام وكأنَّه ساحةٌ مفتوحةٌ لاختبار الموهبة الحقيقيَّة، الإبداع لا يقفُ عند حدود التَّصوير أو النَّقل، وإنما يمتدُّ إلى قدرة الإعلاميِّ على الاقتراب من المعنى دون ضجيج، وعلى تقديم الرسالة بوعيٍ يحترم قدسيَّة الشَّعيرة، وعقل المتلقِّي.
الحجُّ رسالةٌ كبيرةٌ في كلِّ تفاصيله، رسالةُ صبر، مساواة، رحمة، مراجعة للنَّفس، «الإعلامي» في موسم الحجِّ يعيشُ نوعًا مختلفًا من المراجعة الداخليَّة؛ لأنَّه يرى العالم في صورة واحدة، ويرى كيف يمكن لخدمة الإنسان أنْ تتحوَّل إلى مشروع دولة كامل، تعمل فيه كل القطاعات بروح واحدة.
ومَن يقترب من الميدان في الحجِّ، يدرك حجم الجهد الذي يُبذل، خلف المشهد آلافُ العاملين، خطط دقيقة، متابعة مستمرَّة، خدمات صحيَّة وأمنيَّة وتنظيميَّة وإنسانيَّة تعمل على مدار الساعة، وكل ذلك حتَّى يؤدِّي الحاجُّ نسكَه بطمأنينة، هذه التفاصيل ليست مادةً هامشيَّةً في «العمل الإعلاميِّ» هذه أصل الحكاية؛ لأنَّ نقل الجهود بصدق جزءٌ من الإنصاف المهنيِّ، وجزءٌ من احترام الحقيقة.
الحجُّ يبقى فرصةً عظيمةُ للإبداع الإعلاميِّ الحقيقيِّ، ليس بالصُّراخ أو المبالغة أو افتعال الإثارة، وإنَّما بابتكار الزَّوايا الإنسانيَّة العميقة، والقصص التي تلامس النَّاس، والمشاهد التي تختصر معنى هذه الشَّعيرة العظيمة، هنا يظهر «الإعلاميُّ» المؤمنُ برسالته؛ لأنَّ الآثر يبقى في ذاكرة النَّاس سنواتٍ طويلةً.
* نقطة تحت السطر:
في الحجِّ، هناك من يطوف بالبيتِ، وهناك من يطوف بالكلمة، والفارق بينهما أنَّ الأول يرجو الأجر، أما الآخر فقد يحمل وزر ما كتب إلى آخر عمره.


