تنهض المملكة العربيَّة السعوديَّة اليوم، كبنيان مرصوص، تذوب فيه كافة الولاءات الضَّيقة لتنصهر في بوتقة الهويَّة الوطنيَّة الجامعة، وهو مسارٌ تاريخيٌّ وحضاريٌّ لا يقبل التَّهاون، أو المهادنة تحت أيِّ ظرف. ومن هذا المنطلق الأصيل، تقف الجهات المختصَّة في الدولة بكل حزمٍ وصرامةٍ في وجه كلِّ مَن يحاول إحياء النَّعرات القَبليَّة الجاهليَّة، أو السَّعي الخائب لإحداث شرخٍ في جدار الوحدة الوطنيَّة الذي يُعدُّ الركيزة الأساسيَّة، والعمود الفقري لاستقرار البلاد ونموِّها وازدهارها. إنَّ هذه التحرُّكات الأمنيَّة والقانونيَّة الواسعة تنبعُ من إدراكٍ سياديٍّ عميقٍ بأنَّ إثارة الكراهية، والاعتزاز المذموم بالانتماءات الفرعيَّة على حساب كيان الوطن، هي سمومٌ فتَّاكةٌ تستهدفُ تمزيقَ النسيج الاجتماعي، وتقويض السلم الأهلي، وهو أمرٌ تضعه الدَّولة في مقدِّمة خطوطها الحمراء التي لا يمكن تجاوزها.
إنَّ التحذيرات المتتالية، والبيانات الصارمة التي تطلقها وزارة الداخليَّة، والنيابة العامَّة ليست مجرَّد تنبيهات إجرائيَّة، بل هي إعلانٌ سياديٌّ صريحٌ بأنَّ العقاب الرَّادع والمُغلَّظ سيكون بالمرصاد لكلِّ مَن يسلك مسالك الفتنة، سواء كان ذلك عبر الممارسات الفعليَّة على أرض الواقع، أو عبر الفضاء الرقميِّ، ومنصَّات التواصل الاجتماعيِّ. وتتضاعف هذه الصرامة واليقظة، حينما يرتبط الأمرُ بالتصدِّي للدَّعوات الخارجيَّة المشبوهة، والمنظَّمات التي تحاول جاهدةً استغلال العواطف القَبليَّة كأداة لاختراق الجبهة الداخليَّة، حيث تبرز هنا احترافيَّة الأجهزة المعنِّية لتكشف تلك المخططات الدنيئة، وتئدها في مهدها، مؤكِّدةً أنَّ أمن الوطن، وسلامة مواطنيه فوق كلِّ اعتبارٍ.
وفي موازاة هذا الحزم الأمنيِّ، تبرز القوَّة النَّاعمة للدولة، متمثِّلةً في الدور المحوريِّ لوزارة الإعلام؛ إذ ما فتئت الوزارةُ تنشر رسائل توعويَّة وحثيثة، تدعو لعدم الانجرار والانسياق خلف الأطروحات التي تُذكي الانقسام، مؤكِّدةً على دور إعلاميٍّ رائد يعزِّز التلاحم الوطني. إنَّ وزارة الإعلام تعمل اليوم كحائط صدٍّ ثقافيٍّ، حيث تكرِّس طاقاتها لتفنيد الخطابات العنصريَّة، وتوجيه الرأي العام نحو الاعتزاز بالهويَّة السعوديَّة الشاملة، محذِّرةً من أنَّ الكلمة في الفضاء الرقميِّ قد تكون سلاحًا مسمومًا، إذا لم تُحط بسياجٍ من الوعي والمسؤوليَّة الوطنيَّة.
وعلى الرغم من ظهور «حالات» محدودة، تحاول بين الحين والآخر، النَّفخ في رماد العنصريَّة المقيتة، إلَّا أنَّ أبناء وبنات المملكة يمثِّلُونَ صمَّام الأمان؛ فهم بوعيهم العالي، وثقافتهم المتمدنة، ينبذُونَ هذه التوجُّهات، ويقفُونَ سدًّا منيعًا أمام أيِّ محاولة للتَّصنيف أو الازدراء. إنَّ هذا الوعي الشَّعبي الجارف هو الردُّ الأقوَى على كلِّ مَن يحاول إذكاء هذا المسار، حيث بات المواطنُ يدركُ أنَّ قوَّته تكمنُ في وحدتهِ خلف قيادته، وأنَّ التفاخر الحقيقي يكون بالإنجاز والبناء، وتحقيق رُؤية الوطن الطَّموحة، لا بالنكوص نحو نعرات عفا عليها الزَّمن.
إنَّ المسؤوليَّة الوطنيَّة اليوم، تتجاوز الدور الحكومي؛ لتصبح واجبًا أخلاقيًّا يقع على عاتق كل فرد، فالسكوت عن مثيري الفتن، أو المساهمة في نشر محتواهم، هو مشاركة في الجريمة ضد استقرار البلاد. إنَّ الدولة، وهي تضرب بيدٍ من حديدٍ على رؤوس دعاة الفتنة، تهدف إلى ترسيخ قيم العدالة والمواطنة، حيث القانون هو المرجع، والوطن هو الانتماء الأوَّل والأخير. إنَّ جدار الوطن الشَّامخ الذي شيَّده الموحِّد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيَّب اللهُ ثراهُ- سيبقى عصيًّا للحفاظ على وحدة الصَّف، محصنًا بإرادة القيادة الرَّشيدة، والقانون العادل، ووعي الشعب، والرسالة الإعلاميَّة الصادقة؛ لتبقى المملكة دومًا أنموذجًا فريدًا في التلاحم والاستقرار تحت راية التوحيد.


