هبْ أنَّكَ تهتَ في الصَّحراء، وبلغ بكَ العطشُ مبلغَه، ثمَّ لاحت لك خيمة أهل بيتٍ، منزوية في تلك الباديةِ، فقصدتَهُم، وطلبتَ منهم شربةَ ماءٍ، فقدَّمُوا لكَ نصفَ كوبٍ من الماء..
فأنتَ أحدُ رجلَين:
الأوَّل: تنظرُ إليهم «شذر مذر»، وتجلسُ تنتقدهم، وتتهمهُم بالبُخل، وتقولُ وتعيدُ وتزيدُ، وتعلُو ذرَّة الكِبر في نفسِكَ، حتَّى أنَّكَ تستنكف أنْ تشربَ الماء، فتردَّ لهم الكوب، كما هو، ولم تلمسه شفتَاكَ.
الثَّاني: أنْ تبتسمَ مهلِّلًا وتُسمِّى اللهَ تعالى، وتشربَ وتحمدَ ربَّكَ، وتشكرَ لهم حُسن صنيعِهم، وتشعرهُم أنَّهم قدَّموا لكَ الكثيرَ والكثيرَ، وأنَّ شربة الماء هذه توازي الدُّنيا وما فيها.
الأوَّل: هو الخاسرُ، فلا بلغَ حاجتَه بشربة الماء، التي تُذهِبُ بعضَ ظمئِهِ -على الأقل-، إنْ لم يكن كل ظمئهِ، وبقي عطشانَ حيرانَ، كما كان قبل أنْ يطرق عليهم بابَهم.
الثَّاني: هو الكاسبُ؛ لأنَّه وضع في حسبانه أنَّه ربَّما لا يوجد لديهم إلَّا هذا القدر من الماء، وتُردِّد لقد أعطونِي كلَّ ما يملكُونَ.
الأوَّل: متشائمٌ، فيه رعونةٌ؛ لأنَّه لم يقدِّر ظروفَ أهل البيت، وما أدراك أنَّه لا يوجد لديهم شيءٌ سوى نصف الكوب هذا، فآثروكَ على أنفسِهِم.
الثَّاني: متفائلٌ، سمحٌ خلوقٌ، قدَّر لهم ما جادُوا به، ولسان حاله يقولُ: « الجودُ مِن الموجودِ».
الأوَّل: بالتَّشاؤمِ يهدمُ قيمًا، ويجرحُ قومًا، ويكثِّف في نفسه رواسبَ حقدٍ ستكون هو أوَّل مَن يصطلي بنارها.
الثَّاني: بالتفاؤلِ يبنِي السَّعادةَ، ويرسمُ البسمةَ على الوجوهِ، ويزرعُ الأملَ في النُّفوسِ، ويُشعِرُ الغيرَ أنَّهم أصحابُ معروفٍ، وأهلُ كرمٍ، ولو كان كل ما قدَّموه نصف كوب ماء فقط.
الأوَّل: متشائمٌ، ينقصه تمام الإيمانِ، والتبرُّم بما قدَّر الله لعباده من الرِّزق، مع أنَّهم قدَّمُوا له كل ما يملكُون، ولو كان لديهم غيره لقدَّمُوه.
الثَّاني: متفائلٌ، مؤمنٌ تمامًا بربِّه؛ لأنَّ الأرزاق مقسِّمها الخلَّاقُ، وأنَّ «ما شاءَ اللهُ كانَ، ومَا لمْ يشأْ لمْ يكنْ».. ولسانُه يصدحُ قائلًا: «حصيرٌ في البيتِ أفضلُ ألفَ مرّةٍ مِن سريرٍ جديدٍ (مودرن) في المستشفَى، وضيقٌ فِي الرِّزقِ أفضلُ ألفَ مليونِ مرَّةٍ مِن ضيقٍ فِي التَّنفُّسِ».
الأوَّل: سجَّل بصمةً غير أخلاقيَّة، انحفرت في ذاكرتهم، لن تنمحي أبدًا، وسيضربُون به المثلَ على سوءِ الأخلاقِ، ومقابلة الإحسانِ بالإساءةِ.
الثَّاني: سجَّل بصمةً تربويَّةً راقيةً لنفسه، تدلًّ على حُسن معدنهِ، وكريمِ محتدهِ، أمام أهل البيت، يذكرُونها له مدى الحياة، وربَّما تتناقلها الأجيالُ.
الأوَّل: جعل من كلماتهِ مفاتيحَ لصناديقِ شرٍّ، سيطوله منها شررٌ، إنْ لم تكنْ حِممًا عاتيةً.
الثَّاني: جعل من كلماتهِ مفاتيحَ خزائنَ خيرٍ يمكنُ بها فتح القلوب، وإسكات الأفواه أنْ تنطقَ إلَّا بالخيرِ لكَ في حضوركَ أوغيابكَ.
الأوَّل: يُؤذي النَّاس على قدر النَّقص الذي فيه، وكلَّما زاد النقصُ، زادت إساءتُه للغير.
الثَّاني: ينضحُ بالخيرِ على قدر الخير الذي فيه، وكلَّما زاد الخيرُ في نفسه زاد إحسانُه للغيرِ.
الأوَّل: «ألمٌ» يوجعهُم ويكسرهُم، ويستجلبُ دمعَ عيونِهم من نياط قلوبهم.
الثَّاني: «أملٌ» يهب نفسه للغير، يقبلُ منهم القليل ويعذرهُم، وموقفٌ كهذا يجعله يرجع إليهم، فيتحسَّس حاجاتهم، ولا ينسى الجميل، بل يردُّه لهم بأحسن منه.
في النهاية.. كُن مفتاحَ خيرٍ بكلماتكَ، وتصرفاتكَ، وسلوككَ، واعلمْ علمَ اليقينِ أنَّ للكلمةِ الطَّيبةِ في كلِّ المواقفِ ثمارًا طيَّبةً، تعود عليكَ وعلى مَن حولكَ بكلِّ خيرٍ، بشهادةِ اللهِ الذي بيده الخير، وهي -والله- كما وصفها الله جلَّ فِي عُلاه: {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ* تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا}.


