بمناسبة اليوم العالميِّ للأسرة (15 مايو)، الكلام الذي يُقال للأسرة المعاصرة بأنْ تعيش الواقع وليس شعارات.
يا آباء، ويا أُمَّهات، ويا عرسان جُدد!. الأسرة اليوم تواجه ضغوطًا لم تكن موجودةً قبل جيلَين من الآن تقريبًا، أي قبل 20 سنة.
من أجل جودة حياتكم؛ كي تدوم العِشرة، ولتنبتُوا نباتًا حسنًا، حسنات أفعال أبنائكم ثمرة لكم حتَّى يوم الحساب، فهيَّا بنا يا سيِّدي الأب، ويا سيِّدتي الأُم، ومعاهم الأجدادُ والجدَّاتُ والأبناءُ المُبِّرُون لوالديِهم، لكُم ولِي ولأبنائِي وزوجاتِهم وأبنائِهم لنذكِّر بعضنا:
- ارجعُوا للأصل: الأسرة مشروعٌ تنمويٌّ مستدام، وليس مؤقتًا، أو أنَّه حدث صدفة.
فالأسرة المعاصرة انشغلت بالوظيفة، بالسوشيال ميديا، بالقروض والمديونيَّة، ونسيت أنَّ الهدف الأساس للزَّواج إنَّما هو في الأساس: "سكنٌ ومودَّةٌ ورحمةٌ".
أيَّتُها الأُسر.. نقولُ لكم جميعًا وأنا معكم: لنقف ولو لـ5 دقائق كلَّ أسبوع، نغلقُ فيها الجوَّالات، ونجلسُ مع بعضنا، اسألُوا بعضكم بعضًا: هل نحنُ مازلنا سائرِين على نفس الهدف معًا؟ أم أصبحنا مثل نزلاء فندق واحد؛ كل فرد في غرفته؟
- الجوَّال دخل بيتكم، فأجعلوه نعمةً لا نقمةً، فالمشكلة ليست في التقنية، بل في أنَّ نسبةً من الأُسر يكون فيها الأبُ يأكل وهو يتصفَّح؛ الأمُّ تكلِّم عيالهَا وعينهَا على فيلمٍ مثلا، والعيال كلُّ واحد في غرفتة مع جوَّاله.
نقول لمثل هذه الأُسر: لنذكر الله، ونجتمع كأُسرةٍ كلَّ يوم "ساعة بلا شاشات" في فترات الغداء، العَشاء، وساعة قبل النَّوم؛ نتحدَّث حديث العائلة وجهًا لوجهٍ، فهذه المواجهة لنْ تعوِّضها ألفُ رسالة؛ واتس آب.
- لِنُربِّ عيالنا على "النجاح" في تحقيق أهداف حياتهم، ولكن علينا أنْ لا ننسى تربية "نفوسهم" بالقُدوة في سلوكنا، بمناقشة ما يصحُّ وما لا يصحُّ، وابتعدوا عن كلمة "ما لنا وما لكلام الحريم"، حينما تظهر هناك بعضٌ من أشكال الغيبة والنَّميمة، ونقول "الحريم" يحلُّون إشكالاتِهم مع بعضهنَّ، وننسى أنَّ الشيطان هو الذي يفرحُ بهذا المفهوم؛ ليفرِّق بين أفراد الأُسرة ذاتها. حينما تظهر لكم فجوةُ سلوكٍ خاطئ واجهُوا المخطئ، لكن ليس أمام الجميع، أو أنْ يأتي ربُّ الأُسرة بحكايةٍ مقصود هدفها للتَّوعية، مستفيدًا من لحظات اجتماع الأُسرة وهنا يحفُّها الرَّحمنُ بملائكتهِ مباركِينَ هذا الملتقى وأمثاله.
فالأُسرُ أيُّها الآباءُ والأبناءُ والأحفادُ جلُّها -إلَّا ما رَحمَ ربِّي- في حال اليوم مهووسةٌ بالدَّورات، المعدَّل، النَّادي، اللُّغة الثانية. ثمَّ تصحو على مراهقٍ مكتئبٍ يقول "أنا فاشلٌ".
نقولُ لهؤلاء: اسألوا عيالكم "وش حاسِّين؟" أكثر من "كم جبت؟". الطفلُ الذي يحسُّ أنه مسموعٌ، لا يبحث عن الحنانِ خارج البيت، ليتنا جميعًا نسمعُ ونتَّعظُ لخيرنا وخير أُسرِنا..
- الزَّواجُ ليس حربًا يكسبها مَن يربح من الزَّوج أو الزَّوجة!
نتيجة للضغوط الاقتصاديَّة لكثير من الأُسر، جعل كثيرًا من الأزواج يتعاملُونَ معًا كشركاءَ في مشروع (انتبهُوا لكلمةِ شركاء ذوي حقوق مشتركة وموثَّقة)، ونسُوا بأنَّهم سكنٌ لبعضِهما. لذا احذرُوا من كلمة "أنَا أتعبُ أكثرَ منكَ"، والتي صارت نشيدًا في كثيٍرٍ من البيوت؛ والجفاء يسود الأسرة خفيةً، والظاهر ربما مجاملات فقط!.
نقول لهؤلاء وأمثالهم: حياة الدُّنيا قصيرة أمام مَن يؤمنُون بالحياة الدَّائمة في جنَّات النَّعيم؛ فلنعمل من أجل بلوغ الهدف الأسمَي لحياتنا الدنيويَّة، ولنتصرَّف في تعاملنا الإنسانيّ مع بعضنا في الأسرة بمدح بعضنا بعضًا أمام أبنائنا وأحفادنا.
- لا تخجُلوا من طلب مساعدة:
إنَّ الأُسرة المعاصرة تحاولُ أنْ تكون "سوبر فاميلي". الأبُ والأُمُّ يشتغلُون، يربُّون، يطبخُون، يذاكرُون، وينهارُون بصمتِ.
نقول لهؤلاء: لا تخجُلوا من طلب المساعدة من الأهل، لكن أحسنُوا اختيار مَن تستشيرُونَه، وهذا لا يُعدُّ ضعفًا.
- علِّموا أبناءكم بأنَّ البيت "ملجأٌ وليس محكمةً"..
إذا البيت أصبحَ وأمسى مكانًا للمحاسبة، والصُّراخ، واللَّوم، فإنَّ الأبناء أوَّل ما يكبرُون سيهربُون منه.
نقول لكم يا هؤلاء: اجعلُوا البيت مكانًا يعود له الابنُ/ الابنةُ المخطئ وهو غلطان، ويقول "أهلي يفهمُونني".
- الرّسالة المختصرة للأُسر اليوم:
" أيُّها الزَّوجَان؛ الوالدَان؛ الأبناءُ، الأجدادُ ليس مطلوبًا منكم أنْ تكونوا أسرةً مثاليةً أمام النَّاس. بل المطلوب أنْ تكونُوا أسرةً حقيقيَّةً في البيت، وهذا هو رسم الأسرة المثاليَّة بدرجة عالية -بإذن الله-. حيث إنَّ هذا يولِّد لدى الأسرة دفئًا، واحترامًا، وحوارًا، وأبوابًا مفتوحةً؛ فهل نحنُ نفعلُ ذلكَ؟
* مستشار نفسي وأسري


