لنكن منطقيِّين وواقعيِّين، بعض برامج التوطين ركَّزت على الأرقام والنِّسب أكثر من التَّركيز على بناء الكفاءة والاستدامة الوظيفيَّة، فالتوظيف الحقيقيُّ لا يعني مجرَّد شغل وظيفة، بل بناء مسارٍ مهنيٍّ مستقرٍّ ومنتجٍ وقادرٍ على التطوُّر، وهنا يظهر دور التعليم مرَّة أُخرى، إذ لا يمكن الحديث عن توطين ناجح، دون منظومةٍ تعليميَّةٍ مرنةٍ تتفاعل مع احتياجات الاقتصاد بشكل مباشرٍ وسريعٍ.
الجهات ذات العلاقة بالمملكة، قطعت شوطًا مهمًّا في ملفِّ التَّوطين، لكنَّ الطَّريق لا يزال طويلًا، فالنجاحُ الحقيقيُّ لن يتحقق بقرارات إداريَّة فقط، بل عبر تكامل التَّعليم والتَّدريب والقطاع الخاص، وعندما تصبح مخرجات التعليم مرتبطة مباشرة بالاقتصاد، وعندما يشعر صاحب العمل أنَّ توظيف السعودي خَيارٌ إنتاجيٌّ، لا مجرَّد التزامٍ تنظيميٍّ، عندها فقط يمكن القول إنَّ التوطين نجح فعلًا، لا رقمًا وإحصاءً، بل أثرًا وتنميةً واستدامةً.
يشهد سوق العمل السعودي اليوم، تحوُّلات عميقة، وضعت الإنسان السعوديَّ في قلب التنمية، وربطت بين التَّعليم والاقتصاد، والإنتاجيَّة والتنافسيَّة العالميَّة، ومع ذلك، لا يزال السؤالُ يتكرَّر بإلحاح: «هل تتواكب مخرجات التَّعليم مع احتياجات سوق العمل؟ ولماذا ما زلنا نعتمدُ على هذا العدد الكبير من العمالة الأجنبيَّة، رغم التوسُّع الهائل في التعليم الجامعيِّ وبرامج التوطين؟ِ.
الحقيقة أنَّ المشكلة ليست في الكم، بل في نوعيَّة المُخرجات، ومدى مواءمتها للاحتياج الحقيقيِّ، فخلال العقود الماضية توسَّعت الجامعات والكليَّات بشكل كبير، وارتفعت أعداد الخرِّيجين في تخصصات نظريَّة وتشغيليَّة تقليديَّة، بينما كان سوق العمل يتحوَّل بسرعة نحو الاقتصاد الرقميِّ، والذكاء الاصطناعيِّ، والتقنيات المتقدِّمة، والصناعات المتخصِّصة، والخدمات ذات القيمة المُضافة العالية.
هنا ظهرت المشكلة بوضوح: «آلاف الخرِّيجين يقابلهم نقص في المهارات المطلوبة فعليًّا».
ولعل المفارقة أنَّ بعض القطاعات لا تزال تعتمد على الكفاءات الأجنبيَّة، ليس فقط في الوظائف المتخصِّصة، بل حتى في وظائف تشغيليَّة وإداريَّة متوسطة يمكن للسعوديِّين شغلها متى ما توفَّرت لهم البيئة التدريبيَّة المناسبة، وهذا يفتح الباب لسؤال أكبر: «ألمْ تأتِِ برامج التَّوطين بأهدافِهَا؟».
الإجابة ليست مطلقة، فالتوطين نجح في قطاعات، وتعثَّر في أُخرى، ففي مجالات مثل البنوك والاتصالات والتجزئة والقطاع الحكومي، ارتفعت نسب السعودة بصورة ملحوظة، وأثبت المواطنُ السعوديُّ قدرته على الإنجاز والمنافسة، لكن في قطاعات أُخرى، لا يزال التَّوطين شكليًا أو محدودَ الأثر؛ بسبب عدَّة عوامل، من أبرزها ضعف التأهيل العمليِّ، وفجوة المهارات، واعتماد بعض المنشآت على التَّوظيف منخفض التَّكلفة، بدل الاستثمار في الكوادر الوطنيَّة.
إنَّ الجامعات اليوم، مطالبة بأكثر من مجرد تخريج الطلاب، فهي مطالبة «بصناعة المهارة»، و»إعادة تصميم التخصصات بما يتناسب مع الاقتصاد الحديث»، والتوسُّع في التَّعليم التقنيِّ والمهنيِّ، وربط المناهج بالشركات والقطاعات الإنتاجيَّة، وتحويل التَّدريب التعاونيِّ من إجراء شكليٍّ إلى تجربة عمليَّة حقيقيَّة. كذلك يجب تعزيز ثقافة العمل المهنيِّ والتقنيِّ؛ لأنَّ الاقتصادات الكُبرى لا تُبنى فقط بالأطبَّاء، والمهندسِين، بل بالفنيِّين، والتقنيِّين، وروَّاد الأعمال، وأصحاب المهارات النوعيَّة.
ولا يمكن تجاهل أنَّ وجود العمالة الأجنبيَّة في أيِّ اقتصاد أمرٌ طبيعيٌّ، بل وضروريٌّ أحيانًا لنقل الخبرة والمعرفة، لكنَّ المشكلة تظهر عندما يتحوَّل الاعتماد عليها إلى بديل دائم عن بناء الكفاءات الوطنيَّة، فالسؤال ليس «هل نحتاج للعمالة الأجنبيَّة؟»، بل: «هل نحتاج لهذا الحجم الكبير منهم في وظائف يمكن للسعوديِّ أن يشغلهَا بكفاءةٍ؟.


