Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أ. د. عبدالرحمن سعد العرابي

الحج في الرحلات

A A
كان الحجُّ حافزًا لرحَّالة من مختلف أرجاء الأرض، فزار الأماكن المقدَّسة في مكَّة المكرَّمة كثيرٌ من الرحَّالة -مسلمين عرب، وغير عرب، وغربيِّين- وكان المسلمُون منهم دافعهم إيمانيًّا لأداء فريضة الحجِّ، بينما تنوَّعت أهداف الرحَّالة الغربيِّين إلى الأراضي المقدَّسة في الحجاز، فكثيرٌ من رحلاتهم كان لها أهدافٌ استعماريَّة، سياسيَّة، واقتصاديَّة، وثقافيَّة، ودينيَّة، وقلَّة منها نواياها طيِّبة من أجل المعرفة لا غيرها. الأهدافُ الخاصَّةُ لأولئك الرحَّالة كانت تحقيقًا لمصالح الدُّول التي قدمُوا منها، أو التي عملُوا لحسابها، رغم أنَّهم يقولُون «إنَّهم قدمُوا للاستكشافِ، والسِّياحةِ، وتعلُّم اللُّغةِ العربيَّة، وجمعِ المخطوطاتِ الإسلاميَّةِ، والبحثِ عن الآثارِ، وزيارةِ الأماكنِ المقدَّسة، وشراءِ الخيولِ العربيَّة الأصيلةِ، والبُعدِ عن الحياةِ الأوروبيَّة الصاخبة، والاستمتاعِ بدفءِ الشرقِ وسحرِهِ».
أُولى تلك الرِّحلات كانت رحلة الإيطاليِّ لودفيجو دي فارتيما في عام 908هـ/ 1503م. وأشهر تلك الرِّحلات رحلة الرحَّالة السويسريِّ جون لويس بوركهارت، فهو أكثر الرحَّالة غزارةً ودقَّةً في المعلومات التي كتبها؛ بسبب مكوثه الطَّويل نسبيًّا في منطقة الحجاز، حيث بقى في الحجاز أحد عشر شهرًا (من 15 يوليو 1814م إلى 25 مايو 1815م، الموافق 27 رجب 1229هـ إلى 15 جمادى الآخرة 1230هـ) زار فيها جدَّة ومكَّة المكرَّمة والطَّائف والمدينة المنوَّرة وينبع، وصف الحياة في الحجاز وصفًا دقيقًا، فأعطى معلوماتٍ مفصَّلة قيِّمةً عن المدن ومنازلها، ودكاكينها، وشوارعها، وأسوارها، ومصادر المياه فيها، ومقابرها، كما وصف تركيبة السكَّان وعاداتهم وتقاليدهم، وطرائقهم في المأكل والمشرب، وأساليب التَّعامل، والأوضاع الاقتصاديَّة، والاجتماعيَّة والثقافيَّة.
معلومات بوركهارت التاريخيَّة عن مكَّة المكرَّمة استقاها من المصادر المكيَّة مثل الأزرقي، والفاسي، والنهروالي، والعصامي. ويقول عن مكَّة -شرَّفها الله-: «مكَّة خُطِّطت على نحوٍ أنيقٍ، شوارعُها فسيحةٌ، ودورُها فخمةٌ مبنيةٌ من الحجارةِ شبيهة بالمدن الأوروبيَّة، بها مشربيَّات تُطلُّ على الشوارع مزخرفة بزخارف منحوتة على نحوٍ دقيقٍ. ومكَّة مدينةٌ مفتوحةٌ من كلِّ جوانبهَا».
وعن الحجِّ يقولُ: «يأتي الحجَّاجُ من كلِّ بقاع العالم الإسلاميِّ بورعٍ يفوق الوصف، وفي هذا العام (1814م) وصل حجَّاج كثيرُون قبل ثلاثة شهور من موعد الحجِّ، وكان قضاء رمضان فيها المحفِّز العظيم لكثيرٍ منهم، ومن هؤلاء عددٌ كبيرٌ من المُعدمِينَ يعيشُون على صدقاتِ الحجَّاج الآخرِينَ وقليل منهم يجلبُونَ معهم بضائع من بلادهم يبيعُونَها في مكَّة؛ لتغطية كُلفةِ حجِّهم». ثمَّ يصفُ استعداد الحجَّاج لأداء شعائر الحجِّ فيقولُ: «ومساء السَّابع من ذي الحجَّة يسودُ مكَّة نشاطٌ صاخبٌ للإعدادِ وتجهيزِ رحلة الحجِّ، وفي الصباح الباكر من اليوم الثَّامن يتَّجه الحجَّاجُ إلى منى، ثم عرفات، منهم مَن يركب في شبريَّة ملحقة بهدوجِ الجملِ، ومنهم مَن يمشي على قدميه، والجميعُ مرتَدِي الإحرام، نصف عراة يردِّدُونَ التَّلبيةَ، ومع مشرق يوم التَّاسع يُطلق مدفعٌ طلقتَين إعلانًا بصلاة الفجر، وبدء يوم الحجِّ. ويقفُ الحجَّاجُ على جبل عرفات، وقد قدرتُ المجتمعِينَ بسبعِينَ ألفًا». ثمَّ يصفُ بقيَّة أداء الشعائر خروجًا من عرفات، ووصولًا إلى مزدلفة، ثمَّ منى، وطواف الحجِّ في وصفٍ دقيقٍ وبديعٍ يُعتبر زادًا معرفيًّا للباحثِينَ والمهتمِّينَ.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store