كان الاعتقاد السائد عالميًّا، أنَّ النفط يمثل النعمة الأساسيَّة في بلادنا. وبعدما تعرَّضت سلاسل الإمداد المختلفة لهزَّات عنيفة خلال الحرب الإيرانيَّة، أدرك كثيرُون أنَّ الموضوع أكبر بكثير من البترول. وحديثنا اليوم عن الألمنيوم، ذلك المعدن الذي تعتمد عليه صناعات حديثة كثيرة، وتنتجه دول الخليج بنصيب مؤثِّر في السوق العالميَّة، يُقدَّر بحوالى عشرة في المئة. وعندما تأتي سيرة الألمنيوم، تخطر على بالنا استخدامات شائعة، في مقدِّمتها مكوِّنات هواتفنا الذكيَّة، وعلب المشروبات المختلفة، ورقائق حفظ الطعام، وأواني الطَّبخ، وهياكل النوافذ والأبواب، وبعض مستحضرات العناية الشخصيَّة، وبعض قطع السيَّارات. وللعلم، فهناك مئات الدرجات والسبائك من هذا العنصر المُذهل، ومعظمها يدخل في صناعات متنوِّعة، وإليكم بعضٍ من عجائب تاريخه:
بالرغم من أنَّه المعدن الأكثر وفرة في القشرة الأرضيَّة، فإنَّ شدة ارتباطه الكيميائي بعناصر أخرى، ولا سيَّما الأكسجين، جعلت استخلاصه نقيًّا أمرًا عسيرًا عبر التاريخ، جعلته يُعدُّ من المعادن «النَّفيسة» باهظة الثمن إلى نهاية القرن التاسع عشر. ومن أجمل الاكتشافات في عالم الكيمياء نجد العمليَّة الصناعيَّة لاستخلاص الألمنيوم، وقد توصل إليها كلٌّ من الأمريكي «تشارلز هول» والفرنسي «بول هيرولت» على نحو مستقل عام 1886. وبفضل هذا الاكتشاف المذهل بتوفيق الله، انفتح الباب لإنتاج الألمنيوم على نطاق واسع، وتبدَّلت مكانته من معدن نادر مرتفع الكلفة، إلى مادَّة أساسيَّة معقولة السِّعر في الصناعة الحديثة. وبسبب خصائص الألمنيوم المذهلة، ومنها خفة وزنه، ومقاومته للتآكل، وحسن توصيله للكهرباء، وسهولة تشكيله، أصبح من أهم مواد العصر في نقل الطاقة الكهربائيَّة، والنقل الجوي، والتغليف، والإنشاءات. وهناك المزيد، فهو يدخل كذلك في تطبيقات فضائيَّة متعدِّدة، وفي كثير من مكوِّنات الطائرات، والمركبات، والصواريخ والأقمار الصناعيَّة، بفضل ما يجمعه من خفةٍ ومتانة. وأضف إلى ذلك أنَّ مسحوق الألمنيوم يُستخدم في بعض أنواع وقود الدفع الصلب لمحرِّكات الصواريخ، لما يتيحه من طاقة عالية عند الاحتراق.
وأود أنْ أضيف إحدى روائع الألمنيوم التي لا نفكر فيها كثيرًا، وهي حضوره المتميِّز الهادئ في عالم المجوهرات. فبعض الأحجار الكريمة ترتبط بالألمنيوم ارتباطًا وثيقًا. حجر «الكوراندوم» يتكوَّن أساسًا من الألمنيوم والأكسجين، وينتج عنه الياقوت الأحمر حين تُكسبه آثارُ الكروم لونه الأحمر، ونجد أيضًا أنَّ ذلك الحجر ينتج الياقوت حين تسهم آثارُ الحديد والتيتانيوم في إظهار لونه الأزرق الجميل. وهو أحد مكوِّنات حجر الفيروز الجميل الأزرق المائل إلى الخضرة. ونجده أيضًا في الزمرد الأخضر الجميل، والعقيق العنابي الرائع، والتوباز الأزرق أيضًا. وسبحان الله على هذا الحضور اللافت في الأحجار الكريمة الرَّائعة الجمال التي تأسر الأبصار، مع اختلاف تراكيبها وخصائصها.
أمنيـــــة
إنَّ انطباع العالم عن نعم الله على دول الخليج يشهد إعادة نظر متزايدة، مع تبدل موازين الإمداد العالمي. ومهما ذكرنا من نعم الله على بلادنا فلن نحصيها، وهي أكثر بكثير من النفط. أتمنَّى أن نتذكَّر أنَّ بالحمد تدوم النعم، وما أكثرها وأجملها، والحمد لله أولًا وآخرًا.
وهو من وراء القصد.


