Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. سعود كاتب

إيلاف.. ربع قرن من الريادة الرقمية

A A
قبل أكثر من ربع قرن، وتحديداً في منتصف تسعينيات القرن الماضي، لم تكن الإنترنت بالنسبة لغالبية المؤسسات الإعلامية العربية سوى مساحة غامضة، فيما كانت الصحافة الورقية لا تزال تعيش ذروة حضورها وتأثيرها، وتُوصف بـ»الملك المتوّج لوسائل الإعلام».. في تلك اللحظة المبكرة، كان قليلون فقط يدركون أن عالم الإعلام يقف على أعتاب تحوّل تاريخي؛ سيُغيّر شكل الصحافة ومفهومها وقواعد تأثيرها. ومن بين هؤلاء يبرز اسم عثمان العمير الذي أطلق في مايو 2001 صحيفة إيلاف الإلكترونية، في خطوة لم تكن مجرد مشروع صحفي جديد، بل تعبيراً عن فكر إعلامي تقدّمي استشرف المستقبل الرقمي، في وقت كان فيه البعض ينظر إلى الإنترنت باعتبارها مجرد «فقاعة» وموجة عابرة من التهويل التقني.
تلك الخطوة لم تأت من فراغ، فالعمير كان أحد أبرز أبناء المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام، المؤسسة التي اعتادت منذ تأسيسها أن تتقدم بخطوات عديدة على أقرب منافسيها، سواء في التميز التحريري أو في فهم العلاقة العميقة بين الإعلام والتقنية والانفتاح الإعلامي، فقد ارتبط اسم العمير برئاسة تحرير «الشرق الأوسط» (درة تاج مطبوعات المجموعة) لمدة عشر سنوات بين 1987 و1998، وهي مرحلة مفصلية رسّخت خلالها الصحيفة مفهوم «الإعلام العربي العابر للحدود».
ففي وقتٍ كانت فيه معظم الصحف العربية تُطبع وتوزع محلياً ضمن نطاق جغرافي محدود، كانت «الشرق الأوسط» تصدر من لندن، وتُرسل صفحاتها عبر الأقمار الصناعية لتطبع في اليوم نفسه في الرياض وجدة والظهران، وباريس وفرانكفورت، ومدريد ونيويورك ولوس أنجلِس، والقاهرة والدار البيضاء وبيروت ودبي والكويت. وكان ذلك إنجازاً تقنياً مهنيا متقدماً للغاية، سبق بسنوات مفهوم الإعلام العالمي الآني “Real-time global media” الذي نراه اليوم.
أتذكر تلك المرحلة جيداً، فقد عاصرتُها حين كنت أعمل في مكتب المجموعة السعودية في العاصمة واشنطن، وكانت «الشرق الأوسط» هي الصحيفة العربية الوحيدة التي تصل لأبواب القراء في أمريكا صباح يوم صدورها. وكان كثير من السفراء العرب والأكاديميين والطلاب والمهتمين يحرصون عليها باعتبارها جزءاً من يومهم، إلى جانب مجلتي المجلة وسيدتي اللتين كانتا تصلان لهم أسبوعياً، ويتصلون باهتمام للاستفسار عنها لو تأخرت ساعات قليلة عن موعدها المعتاد.
في ذلك الوقت، كانت غالبية الصحف العربية تنظر إلى الإنترنت باعتبارها مجرد مساحة إضافية تَنشُر عليها بحذر وتوجّس جزء من محتواها، بينما كانت «إيلاف» تتعامل معها باعتبارها البيئة الطبيعية للإعلام القادم، وهي فكرة كانت قبل 25 عاماً تمثل رؤية استباقية متقدمة للغاية، وصفها البعض حينها بالمغامرة الجريئة وغير المحسوبة.
ومن هنا، لم يكن انتقال عثمان العمير إلى تأسيس «إيلاف» قفزة مفاجئة من الورق إلى الشاشة، بل تجسيدًا منطقياً لذهنية منفتحة لرمز بارز من رموز مدرسة إعلامية اعتادت استباق التحولات الكبرى.. وكما نجحت «الشرق الأوسط» في تجاوز الحدود الجغرافية عبر الأقمار الصناعية، جاءت «إيلاف» لتتجاوز حتى حدود الورق نفسه، وتدخل مباشرة إلى فضاء الصحافة الرقمية العالمية. وهذا الأمر جُلهُ لا يمكن بحال فصله عن شخصية العمير، التي رغم جدليتها الحادة تتسم بكاريزما نادرة، وقدرة لافتة على صناعة العلاقات وتوظيفها إعلامياً.
اليوم، وبعد مرور 25 عاماً، تبدو تجربة «إيلاف» أكثر وضوحاً في سياقها التاريخي، فهي ليست مجرد صحيفة إلكترونية رائدة، بل تعبير عن عقلية إعلامية سعودية امتلكت شجاعة قراءة المستقبل وصناعته.. تجربةً تقول لنا اليوم ونحنُ في زمن الذكاء الاصطناعي والتحولات الرقمية، بأن الريادة الإعلامية لا تتحقق فقط بالسبق الصحفي، بل وبالقدرة على رؤية اتجاه التاريخ قبل أن يراه الجميع.. وبأن مفهوم «رمز إعلامي» لا يتأتى بطول سنوات العمل، بل بما يتركه الشخص من أثر مهني حقيقي يساهم في رِفعة إعلامنا وتطوره، وتعزيز حضوره وتأثيره.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store