Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

اللحظات المسروقة!

A A
في إحدى حلقات برنامج "العلم والإيمان" قدّم الدكتور مصطفى محمود -رحمه الله تعالى- رؤية استشرافية لافتة لِما سمّاه "وهم الحياة في عصر الإلكترونيات" حيث توقّع تسارع إيقاع الحياة بشكل مرهق، وتحوّل التكنولوجيا من وسيلة للتيسير، إلى أداة تنتهك أدق تفاصيل الخصوصية.
كما حذّر من زمنٍ يصبح فيه الستر مهددًا! إذ تُخفي أبسط الأشياء وسائل تسجيل ورصد خفية تكشف ما كان مستورًا داخل البيوت.
كما استقرأ -بعبقرية فذة- واقع عصرنا الراهن، حينما وصفه بالطابع الآلي، والجفاف العاطفي، والزحام المرهق للأعصاب؛ مِمّا يجعله أقل إنسانية وأكثر توترًا، وبالتالي تنعكس ظلاله القاتمة على الإنسان؛ مِمّا يجعله يتساءل بشوقٍ عارم عن "أيام زمان"ويشتعل حنينًا إلى بساطة وهدوء تلك الأيام.
إن هذا الاستشراف المبكر الذي قدّمه الدكتور مصطفى محمود، يشكّل مدخلًا مهمًا إلى فهم عصرنا الحاضر، حيث يعيش الإنسان المعاصر تحت ضغط حياة خالية من الإحساس، بل وتزداد فيها المسافة بينه وبين إنسانيته، وتضيق فيها حدود الخصوصية حتى تكاد تتلاشى تحت وطأة التقنية والأرقام، والكاميرات المتربصة، والعدسات اللاقطة؛ فقد تحوّلت المشاعر إلى سلع قابلة للتداول، وغدت اللحظات الإنسانية الخالصة مادة تُستهلك وتُعرض على مسمع ومرأى من الجميع.
إن من أبرز الظواهر السيئة التي يمارسها إنسان هذا العصر، ظاهرة تسليع العاطفة -أي تحويل الفرح والحزن والدهشة والضيافة إلى مواد قابلة للتداول والاستهلاك- والتي تعبّر بشكل أو بآخر عن انعكاسًا دقيقًا للنزعة البراجماتية التي انتقدها الفيلسوف جون ستيوارت ميل عندما حذر من "تحويل العلاقات الإنسانية إلى مصالح متبادلة خالية من الروح."
فبعض الناس هذه الأيام -ولا أود أن أقول الكثير منهم- لا يكتمل إحساسهم بالفرح، إلاّ بحضور عدسات توثّق، وجمهور يشهد، وتفاعل يؤكد أنهم موجودين.
حتى المرض والموت للأسف، صارا مناسبة يُدعى إليها أصحاب المناصب والمؤثّرون، لتصوير المشهد؛ كي تُصاغ منه سردية تُدرّ الأرباح والوجاهة والإعجابات والمتابعين! وكأن الإنسان لم يعد يرضى بأن يكون إنسانًا؛ بل يطمح أن يصير سلعة في متجر السوشيال ميديا.
إن هذا الإصرار على التوثيق العلني، يجرّد اللحظة من عمقها الحقيقي ويختزلها في صورتها الخارجية، كما أشار الفيلسوف الفرنسي بودريار في نقده لثقافة الصورة عندما قال: "لم يعد الواقع شيئًا يُعاش، بل شيئًا يُمثَّل". وهذا ما نشاهده اليوم للأسف، فقد تحوّلت أدق تفاصيل حياتنا إلى مشاهد تمثيلية باهتة، تُجمّل بألوان زاهية وتُخفي مضمونًا فارغًا.
كم هو مؤلم أن تفقد البيوت خصوصيتها، فلا تعود بيوتًا تُصان فيها الأسرار، بل مسارح للعرض والفرجة، وكم هو مقزّز أن تغدو مناسباتنا مجرد استعراضات فارغة لا روح فيها، وكأننا نعيش ذلك الزمن الذي وصفه نيتشه عندما قال: "يبيع الإنسان روحه بثمن بخس عندما يسعى خلف نظرات الآخرين".
إن هذه النزعة النفعية - التي نبّه إليها الفيلسوف إيمانويل كانط بقوله: "عامِل الإنسان دائمًا بوصفه غاية لا وسيلة" غدت اليوم، بكل أسى ثقافة رائجة، فقد تحوِّلت الصداقة والضيافة، ومواساة الناس إلى مجرد أدوات للتسويق الذاتي.
فعندما يُدعى بعض المشاهير إلى مناسبة ما لا يكون ذلك بدافع التقدير؛ إنما احترامًا للكاميرا، وعندما تُنصب الموائد، لا تُقام بدافع الكرم أو الود الصادق؛ بل شغفًا بالتوثيق والاستعراض. وهكذا فَقَدَت المشاعر حصانتها، وصارت مبذولة على موائد المشاهدة في مهرجان استهلاكي لا يعرف التوقف. ولعل أوسكار وايلد كان محقًا في سخريته عندما قال: "إن العصر الحديث يعرف ثمن كل شيء، ولا يعرف قيمة أي شيء".
إن هذا التَّحَرُّقُ للاعتراف الخارجي، وللتزكية الجماعية من جمهور افتراضي، يُحيل الروح إلى صحراء قاحلة، إذ يصبح الفرح مجرد مهمة تُؤدّى أمام الآخرين، ويغدو الحزن وسيلة لاستدرار تعاطف سريع. وفي هذا السياق يغفل الإنسان عن حقيقة عظيمة عبّر عنها الفيلسوف الرواقي ماركوس أوريليوس عندما قال: "سعادتك تعتمد على أشياء كثيرة، لكنها تبدأ من قدرتك على الاكتفاء بنفسك".
وإن كانت ظاهرة الابتذال العاطفي التي يمارسها البعض تدل على خلل عميق في طريقة تفكيرهم، وفي علاقة ذواتهم بالآخرين، إلا أن أخطر ما في هذه الظاهرة، هي تداعياتها النفسية والاجتماعية. فالفرح الذي يُعرض على الملأ يتحوّل تلقائيًا إلى مقياس للمقارنة، مِمّا يولّد الحسد عند البعض؛ بسبب الأنانية والشعور بالنقص من جانب، والغيرة وعدم الرضا بالقسمة والنصيب من جانب آخر؛ ما ينتج عنه امتلاء القلب بالضغينة تجاه الآخرين الذين يمتلكون ما يفتقده.
والنفوس التي تقتات على التباهي لا تدرك أنها تغذي عدوًّا صامتًا في صدور الآخرين، وتزرع الحقد الذي لا يطفئه شيء.
وهكذا تتضاعف الأمراض النفسية، كالقلق من نظرة الآخر، ثم التعلق بالتصفيق، لتبلغ ذروتها في الهوس بالظهور، والخوف من النسيان.
وبدلًا من أن تكون المشاعر منبعًا للاتصال الإنساني العميق، تصبح وقودًا لصناعة وهمية لا تنتهي. ومعها تتأكد الحقيقة المُرّة التي يعيشها إنسان هذا العصر، وهي أنه ما لم يحرر قلبه من وهم المنصّات، لن يذوق طعم الراحة والسكينة.
حسنًا.. ما أشدَّ حاجتنا اليوم إلى استعادة عفوية العاطفة، وبراءة الشعور التي أرهقها الزيف.
وما أحرانا أن نعيش أفراحنا وأحزاننا في كنف من يستحقون، وليس في حضرة العابرين خلف الشاشات.
وما أجمل أن نحمي أسرار قلوبنا، وأن نصون أعماقنا من أعين الفضول، وأن نُبقي بعض ما فينا بعيدًا عن استهلاك منصات وسائل التواصل الرقمية.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store