Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أ.د. محمد رشاد بن حسن مفتي

وهم البدء من القمة

A A
ليست فكرةُ «الجامعة الشاملة»، التي تضمُّ عشراتِ الكليَّات والمسارات، وصفةً جاهزةً تصلحُ لكلِّ زمانٍ ومكانٍ. فجمعُ المعارف في مؤسَّسةٍ واحدةٍ له جذورٌ عريقةٌ في التاريخ الإنسانيِّ، والحضارة الإسلاميَّة، كما في الأزهر، وبيت الحكمة، كما أنَّ الجامعة البحثيَّة الحديثة تأثَّرت لاحقًا بنماذج أوروبيَّة مهمَّة، وفي مقدِّمتها النموذج الهمبولتي، الذي ربط بين البحث والتدريس. غير أنَّ نجاح هذا النموذج لا يعني أنَّ تقليد شكله الخارجي يكفي لإنتاج جامعةٍ حقيقيَّةٍ.
المشكلةُ في كثيرٍ من دول العالم النَّامي لا تكمنُ في مبدأ الشموليَّة ذاته، بل في التَّسلسل الخاطئ لبنائها. فالمؤسَّساتُ الأكاديميَّةُ القويَّةُ لا تبدأ عادةً بتقليد الصورة النهائيَّة للجامعات الكُبْرى، بل تبني أوَّلًا تميُّزًا حقيقيًّا في مجالات محدَّدة، ثمَّ تتوسَّع تدريجيًّا مع تراكم الكفاءات والموارد والسُّمعة. أمَّا حين تُفتتَح الكليَّات تباعًا قبل وجود أساتذة متميِّزين، ومختبرات مؤهَّلة، وبيئة بحثيَّة ناضجة، وعلاقة حقيقيَّة بالصناعة والمجتمع، فإنَّ النتيجةَ تكونُ -غالبًا- جامعةً ضخمةً في الشكل، ضعيفةً في الجوهر.
تجربة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا مثالٌ دالٌّ على ذلك؛ فقد بدأ بمركز ثقل واضح في العلوم التطبيقيَّة والهندسة، وخدمة التحوُّل الصناعي، ثمَّ اتَّسع لاحقًا بصورةٍ عضويَّةٍ إلى الإدارة والعلوم الإنسانيَّة والاجتماعيَّة، بعد أنْ ترسَّخت هويته العلميَّة والتقنيَّة. وكذلك حقَّقت معاهد التكنولوجيا الهنديَّة حضورًا عالميًّا؛ لأنَّها بدأت بتركيزٍ صارمٍ على مجالات تقنيَّة محدَّدة، ثمَّ توسَّعت بعض فروعها لاحقًا نحو مجالات أُخْرى متَّصلة بحاجاتها وهويتها. فالتميُّز، في المسار الطبيعيِّ، هو الذي يجذبُ التوسُّعَ، لا أنَّ التوسًّعَ الشكليَّ يصنعُ التميُّزَ.
ولا يعني هذا الطرح، تهميش العلوم الإنسانيَّة، بل إنقاذها من الاستخدام الشكليِّ. فحين تُضاف كليَّات الآداب والعلوم الاجتماعيَّة إلى الجامعة لمجرَّد إكمال واجهة «الشموليَّة»، وبتمويل محدودٍ، وكثافةٍ طلابيَّةٍ عاليةٍ، تتحوَّل إلى مستودعات لاستيعاب الأعداد، وتفقد قدرتها على إنتاج الفكرِ والنَّقدِ والمعرفةِ. العلوم الإنسانيَّة تحتاجُ مؤسَّساتٍ جادَّةً، وأساتذةً متمكِّنِينَ، ومكتباتٍ، وطلابًا مؤهَّلِينَ، لا مجرَّد مبانٍ ولافتاتٍ.
إنَّ الجامعة الشاملة قد تكون قمة الهرم التنموي، لكنها لا ينبغي أن تكون نقطة البداية في بيئة لم تكتمل شروطها بعد. ما تحتاجه دولُ العالم النَّامي، هو بناء جزرِ تميُّز أوَّلًا، في الطبِّ، أو الهندسةِ، أو العلوم، أو الإنسانيَّات، أو السياسات العامَّة، ثمَّ التوسُّع منها بوعيٍ وتدرُّجٍ. فالإصرارُ على البدء من القمَّة قبل تسلُّق الجبل ليس طموحًا، بل اختصارٌ وهميٌّ لطريقٍِ لم يبدأ بعد.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store