Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
فاطمة آل عمرو

حين يعيدنا جعفر جاكسون إلى زمن مايكل

A A
منذُ اللَّحظة التي طُرحت فيها تذاكر فيلم مايكل، شعرتُ بحماسٍ حقيقيٍّ لمشاهدته. ليس فقط لأنَّه يوثِّق سيرة مايكل جاكسون، بل لأنَّ الحديث هنا عن شخصيَّة صنعت تاريخًا مختلفًا في عالم الفن، وعاشت في الوقت نفسه خلف الأضواء حياةً مليئةً بالضغوط والجدل والوحدة. وبالنسبة لي كوني من عشَّاق أفلام السِّير الذَّاتيَّة، كنتُ متشوِّقةً لرُؤية كيف سيعيد الفيلم تقديم هذه الرحلة بكل ما فيها، من البدايات البسيطة، وحتَّى اللَّحظات التي صنعت أسطورته.
لكنَّ المفاجأة الأكبر بالنسبة لي، كانت جعفر جاكسون. صحيح أنَّ الشبه بينه وبين عمِّه يكادُ يكونُ مذهلًا، لكن ما حدث على الشَّاشة كان أبعد بكثير من مجرَّد تشابه ملامح. جعفر امتلك حضورًا حقيقيًّا، وكأنَّ الكاميرا تعرفه منذ سنوات. منذ ظهوره الأوَّل، بدا واثقًا، هادئًا، ومتمكِّنًا من أدواته بطريقةٍ تجعل المشاهد ينسى أنَّه أمام ممثِّل شابٍّ يخوض أوَّل بطولة مطلقة له.
الأمرُ الأجملُ أنَّه لم يقعْ في فخ التقليد السطحيِّ. لم يحاول أنْ يكون نسخةً مستنسخةً من مايكل، بل بدا وكأنَّه يفهم روحه الفنيَّة من الداخل. حتى التفاصيل الصغيرة؛ طريقة الحركة، النَّظرات، الصَّمت بين الجمل، والإيقاع في الأداء... كلها منحت الفيلم إحساسًا حيًّا، وكأنَّ مايكل جاكسون عاد للحظة إلى المسرح، لا كذكرى قديمة، بل كحضور يشعر به الجمهور.
أمَّا مشاهد الرقص، فكانت من أكثر اللَّحظات إبهارًا. الدقَّة العالية في الأداء جعلت المَشَاهد تبدُو طبيعيَّةً جدًّا، وكأنَّ الجسد يحفظ الموسيقى بالفطرة. وهذا النوع من الإحساس لا يمكن تعلمه بسهولة؛ لأنَّه مرتبط بالشَّغف قبل أيِّ شيء آخر.
وخلال العرض، كان تفاعل الجمهور جزءًا من التجربة نفسها. البعضُ يردِّدُ الأغاني بحماس، وآخرُون يصفِّقُونََ تلقائيًّا بعد بعض المَشَاهد، وكأنَّ الفيلم أعاد لكلِّ شخص ذكرى خاصَّة عاشها مع مايكل جاكسون يومًا ما. وهنا تحديدًا أدركتُ معنى نجاح الأعمال الفنيَّة، فالفيلمُ الحقيقيُّ ليس مجرَّد قصَّة تُعرض على الشَّاشة، بل تجربة تجعل النَّاس يشعرُون بشيءٍ صادقٍ أثناء المشاهدة.
ويبدُو أنَّ الجزء الثاني من الفيلم سيتَّجه إلى مساحةٍ أكثر حساسيَّة وإنسانيَّة، تتناول علاقات مايكل الشخصيَّة، وحياته خلف الشُّهرة، والهجوم الإعلامي الذي تعرَّض له لسنوات، وحتَّى تفاصيل علاقته بالأميرة ديانا. وهي جوانب ربَّما تكشف شخصيَّة مختلفة تمامًا عن الصورة التي اعتاد الجمهور رؤيتها.
وأثناء مشاهدتِي، تذكَّرتُ بعض المقاطع التي شاهدتها سابقًا لمتدرِّبين في أكاديميَّات التمثيل هنا. وقتها شعرتُ أنَّ كثيرِينَ يظنُّونَ أنَّ التَّمثيلَ مجرَّد كلمات تُقَال وتعابير تُؤدَّى، بينما الحقيقة أنّ التمثيل روحٌ قبل أيِّ شيء آخر. موهبة، وشغف، وإحساس حقيقي يصل للنَّاس دون تصنُّع. وهذا تحديدًا ما امتلكه جعفر على الشَّاشة.
كما تذكَّرتُ موقفًا دار في مهرجان البحر الأحمر السينمائيِّ العام الماضي، عندما تحدَّثتْ إحدى الحاضرات عن ممثِّلة عربيَّة تغيَّرت؛ بسبب الغرور، ولم تعد تتعامل مع جمهورها بلُطف. حينها فكَّرتُ أنَّ الموهبة وحدها لا تكفي ليستمر الفنَّان طويلًا. قد تصنع الشهرة اسمًا معروفًا، لكن ما يجعل النَّاس تتمسَّك بفنان فعلًا هو أخلاقه، وتواضعه، واحترامه لمن أحبُّوه منذ البداية.
وربما لهذا السَّبب بقي مايكل جاكسون حاضرًا في ذاكرة النَّاس حتى.... وربما لهذا أيضًا استطاع جعفر أنْ يدخل قلوبَ الجمهورِ بهذه السرعة.
* من النافذة:
الفنَّانُ الحقيقيُّ لا يتركُ أثرَهُ بصوتِهِ أو موهبتِهِ فقطْ، بلْ بالطريقةِ التي يجعلُ النَّاس يشعرُونَ بهَا وهُم يشاهدُونَه.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store