في المشهد الصحيِّ المعاصر، تبرز بين الحين والآخر عبر منصَّات التواصل الاجتماعيِّ نظريَّات تتجاوز حدود النُّصح الطبيِّ المألوف؛ لتصل إلى مرحلة التشدُّد الغذائيِّ، حيث يُنصِّب البعضُ أنفسهم أوصياء على موائد النَّاس، موهمِين العامَّة بأنَّ كل ما يأكلُونَه تقريبًا هو سموم مخبَّأة، وأنَّ الأدوية التي أقرَّتها المختبرات العالميَّة ليست سوى سراب. والمصيبة الأكبر أنَّ هذه الدَّعوات تجدُ رواجًا؛ لأنَّها تُقدَّم باسم الصحَّة الطبيعيَّة؛ لتخدع النَّاس، وللأسف أصبحت الشهرةُ مقياسًا للمعرفة عند البعض، فكلَّما ازداد المتابعُون، ازدادَ الاعتقادُ بصدق الدَّعوى، بغضِّ النَّظر عن صحَّتها العلميَّة.
وحين يصدر الطرح من شخص يحملُ لقبًا علميًّا، أو أكاديميًّا، فإنَّ الخطر يتضاعف، إذ ليس كلُّ مَن نالَ نصيبًا من العلم جازَ له ادِّعاء الإحاطة بكلِّ شيء، خصوصًا حين يقحمُون أنفسهم في تخصُّصات بعيدة -كل البُعد- عن الطبِّ السريريِّ؛ ليمارسُوا من خلالها سلطةً معرفيَّةً وهميَّةً على عقول البسطاء. وهو ما قاد في حالات مؤلمة إلى إزهاق أرواحٍ بريئةٍ آمنت بوعود الشفاء الزَّائف؛ لتجد نفسها في مواجهة تدهورٍ صحيٍّ لا يمكن تداركه.
إنَّ المتأمل في تفاصيل ما يُسمَّى بنظام الطيِّبات يجد نفسه أمام تناقضٍ صارخٍ، فهو في الوقت الذي يرفعُ فيه شعار العودة للفطرة، يفرضُ قائمة من المحرَّمات الغذائيَّة الغريبة، التي تشمل البقوليَّات، والدَّواجن، وكثيرًا من الخضراوات، محوِّلًا المائدة الإنسانيَّة من مصدر للبهجة والطاقة، إلى حقل ألغام من المخاوف والشكوك.
فالغذاءُ الصحيُّ الحقيقيُّ هو توازن واعتدال، لا إقصاء وحرمان، والشَّريعة والطِّب اتَّفقا على أنَّ الأصل في الأطعمة الإباحة، والتَّحريم مقصورٌ على ما ثبت ضرره أو نجاسته. وما يدَّعونه من عودة للفطرة هو في الحقيقة ابتعاد عنها، بل هو شذوذٌ فكريٌّ وتخبُّط صحيٌّ يزرع القلق في قلوب الأصحَّاء والمرضى، مدَّعيًا اطلاعًا باطنيًّا يغيبُ عن مراكز الأبحاث العالميَّة.
ولعل الجانب الأكثر غرابة في هذا النهج، هو الجرأة على تحريض المرضى ضد المراحل العلاجيَّة المعتمدة لأمراض مزمنة كالسكَّر والقلب، ووصف الأدوية الحيويَّة بأنَّها غير مفيدة؛ ممَّا شجع الكثيرِين على خوض مغامرات مهلكة، حيث أثبتت التقارير الطبيَّة تسبُّب هذا النظام في مخاطر جسيمة، كزيادة لزوجة الدَّم، واختلال نبضات القلب، والجفاف الحادِّ، وصولًا إلى حالات الهلوسة، وفقدان الوعي. ولعل أخطر ما في الأمر هو أنَّ هذه النتائج السلبيَّة لا تظهر فورًا، بل تتدرج في الخفاء حتى يصبح الضررُ جسيمًا، وبالغ الخطورة.
وعلى الرغم من ضجيج هؤلاء المدَّعين، يظلُّ الوعي الصحيُّ في مملكتنا الحبيبة هو الحصنُ المنيعُ ضد الدَّجل بأشكاله كافَّة. فمن خلال وزارة الصحَّة، وهيئة الإعلام، لا يُسمح بأيِّ حال من الأحوال لمنظومة الفوضى أنْ تعبثَ بصحَّة المواطن، سواء في غذائهِ أو دوائهِ.
إنَّ العبرة تكمنُ دائمًا في النتائج، لذا فإنَّ المسؤوليَّة تقتضي منَّا جميعًا الالتفاف حول المصادر الطبيَّة الموثوقة، ونبذ كلِّ فكرٍ متطرِّفٍ يحرم النَّاس من أغذيتهم الطبيعيَّة وأدويتهم المعتمدة. فلا تجعلُوا الشبكات الاجتماعيَّة هي مرجعكم الأساس، ولا تصدِّقُوا كل صوت يرتفع.


