تابعنا خلال الأيام الماضية القليلة حديثًا واسعًا وأنباءً لتقارير صحفية ومنشورات متداولة حول اختلاف في وجهات النظر لإحدى القنوات الفضائية، بين من يتمسك بالحفاظ على الهوية الأصلية للمشروع الإعلامي، وبين من يرى أن التوسع والتطوير والهندسة الإدارية تمثل مرحلة ضرورية للنماء والتطوير.
هذا الحديث لم يكن مجرد خلاف عابر، بل تحول إلى قضية رأي عام، وأسهم -بصورة غير مباشرة- في تعزيز الحضور الإعلامي للقناة، ورفع مستوى التفاعل الجماهيري، وصناعة منافسة رابحة في التسويق والجذب والانتباه.
والفصل في هذا القول، عندما نبدأ في طرح الآراء لقضية ما لا ننطوي بالعاطفة بعيدًا عن التحيز، وعندما ننظر للمشهد أمامنا لا نحكُم قبل أن نسمع، ونتقبل أن هناك اختلاف في الرأي؛ لأن اختلاف الرأي لا يفسد للودّ قضية، بل يتم الالتقاء في اتجاه نحو نقطة للحوار، فإذا كان حادًا في الوصف من جميع الأطراف هُنا يجب الوقوف أيهما أقرب للصواب، فاختلاف الرأي أمر طبيعي في العمل الإعلامي والإداري وحتى في علاقتنا اليومية.
المشكلة ليست في الاختلاف بل في طريقة إدارته، ومن المؤسِف أن بعض الخلافات تبدأ «برغبة الانتصار» أكثر من الرغبة في الوصول إلى الحقيقة، فتعلو الأصوات، ويزداد الضجيج، وتختلط المهنية بالخصومة الشخصية، بينما تبقى الموازنة في القدرة على الفصل بين النقد المهني والتصعيد الشخصي.
وباستطلاع سريع لردود الفعل عبر المنصات المختلفة يتَبيّن لنا وعيّ القارئ والمتلقي من الحكُم قبل التريث، ومن الجزمِ قبل الاستماع، ومن التثَّبت قبل إصدار الأحكام، ومن الإدراك لأهمية الاستماع لكافة الأطراف قبل تبنِّي أي موقف، خصوصًا في ظل محاولات بعض الحسابات توجيه الرأي العام عبر الطرح العاطفي أو الانتقائي.
وفي المقابل، أظهرت النقاشات تقديرًا واضحًا لحق المؤسس في الحفاظ على الهوية الإبداعية، إلى جانب إشادة متزايدة بالمدرسة الاستثمارية الحديثة في إدارة المؤسسات الإعلامية الكبرى، باعتبارها عُنصرًا مُهمًا للاستدامة والتوسع.
وأخيرًا ، تبقى القصة -حتى الآن- غير مكتملة الفصُول، والظاهر منها هو تحويل تلك الخسارة بمشهدٍ من فن إدارة الأزمات.
والسؤال الذي إجابته قصة نجاح: هو كيف حوّلت جمانا الراشد استقالة أبو مالح من درسٍ في العمل المؤسسي إلى نموذجٍ إداريٍ أعاد الوَهج لكسب ثقة الجمهور، وخير ما نستشهدُ به هو التحرك السريع للاستثمار في القناة الثقافية بعد انتقالها من أقوى القنوات الفضائية، وهو ما يعكس حضور الحوكمة المؤسسية، وقدرة المؤسسات الكبرى على إدارة الأزمات برؤية تجمع بين التخطيط والاستدامة وميدانًا لمنافسات رابحة.


