Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

حين يصبح الانتظار سكينة

A A
ليس كلُّ انتظارٍ انتظارًا، فنحن نقضي جزءًا كبيرًا من أعمارنا في الانتظار. ننتظرُ موعدًا طبِّيًا، نتيجة اختبار، معاملةً إداريَّة، اتَّصالًا طال غيابه، خبرًا قد يغيِّر حياةً كاملةً. ولأنَّ الإنسان بطبيعته لا يحبُّ أنْ يشعر بأنَّ الزَّمن ينسحب من يده دون سيطرة، فقد اهتمَّ علمُ النفس طويلًا بفهم أثر الانتظار على النَّفس البشريَّة. لذلك كتب الباحثُ الأمريكيُّ ديفيد مايستر، في نظريَّته العميقة في علم النَّفس والطبيعة البشريَّة، في الطوابير والانتظار، أنَّ الانتظار غير المفسَّر، أو الذي يشعر فيه الإنسانُ بفقدان السَّيطرة، يزيدُ من مستويات القلق والتوتُّر والانزعاج، وأنَّ إدراك الإنسان لطول الانتظار قد يكون أحيانًا أشدَّ وطأةً من الانتظار نفسه.
ولذلك ما دأبت تحاول المؤسَّسات الحديثة تقليل زمن الانتظار، أو تحسين تجربة المنتظرِين؛ لأنَّ الإنسان في المعتاد لا يصادقُ، ولا يهادنُ التَّأخير.
لكنَّ الحجَّ وبأمرِ اللهِ يكتبُ تعريفًا آخرَ تمامًا.
هذا العام، وبين أكثر من مليون وسبعمئة ألفَ حاجٍّ اجتمعُوا على صعيدٍ واحدٍ؛ لأداء أعظم رحلةٍ إيمانيَّةٍ كنتُ أراقبُ واحدةً من أكثر العمليَّات تعقيدًا في إدارة الحشود البشريَّة، وهي التَّفويج والنفرة بين المشاعر المقدَّسة. انتقالات دقيقة، مسارات منظمة، دفقات بشريَّة هائلة تتحرَّك بين عرفات ومزدلفة ومنى، عبر منظومات متشابكة من النَّقل التردُّدي والقطارات والبنية التنظيميَّة الضَّخمة التي تقودها المملكةُ العربيَّة السعوديَّة بخبرةٍ تراكمت عبر عقود من خدمة ضيوف الرَّحمن.
وفي مثل هذه الظروف، يصبحُ الانتظارُ أمرًا طبيعيًّا، دقائق، وربما أكثر من ذلك، حتى يتحرَّك كلُّ فوجٍ إلى وجهته التَّالية.
كنتُ أترقَّبُ ردَّة الفعل البشريَّة المُعتادة.
شيئًا من التململ، أو بعضَ الضيق، أيَّ تمتمات من اعتراضات خافتة، أو وجوهًا أرهقها الحرُّ والزحامُ.
لكن المشهد الذي رأيته من عرفات إلى مزدلفة كان ينسف تلك التوقُّعات بهدوءٍ مدهشٍ.
لم يكن هناك غضبٌ يشتعلُ، ولا أدنى ضيق يتسرَّب إلى الوجوه. على العكس تمامًا كانت الابتساماتُ حاضرةً بصورة يصعب تفسيرها بلغة الحياة اليوميَّة. أحدهم يتحدَّث مع أهله بصوتٍ مطمئنٍ، وآخر يبادل رفقاءه الدعابة، وثالث يشارك مَن بجواره قصَّة دعاءٍ قديم جاء يعلِّقه اليوم على أبواب السماء.
كانت حرارةُ الجوِّ مرتفعةً، والحشودُ كثيفةً، والانتظارُ قائمًا، لكنَّ شيئًا أعمقَ من الظروف كان يدير المشهد.
في عرفة تحديدًا، بدا الأمرُ كأنَّ الأرواحَ قد خفَّ حملها دفعةً واحدةً. كأنَّ النفسَ بعد طول ضجيج الدُّنيا عادت إلى خالقها تستريح قليلًا. هناك لا يشعرُ المسلمُ أنَّه يضيِّع وقتًا، بل يخشى أنْ تمرَّ اللَّحظة أسرع ممَّا ينبغي. يريد للدقائق أنْ تتمهَّل، أنْ تمنحه مزيدًا من البَوح، ومزيدًا من الرَّجاء، ومزيدًا من تلك الخلوةِ المَهيبةِ بين عبدٍ ضعيفٍ وربٍّ يسمعُ ولا يردُّ سائلًا.
وهنا تتجلَّى المفارقة الجميلة، ليست قيمة الانتظار في مدتَّه، بل في معناه.
فالانتظار الذي تصفه الدِّراسات العلميَّة أنَّه مصدر للقلق، يمكن أنْ يتحوَّل عندما يمتلئ باليقين والغاية والسَّكينة إلى مساحةٍ من السَّلام الداخليِّ لا يرغب الإنسانُ بانتهائها.
ولعلَّ هذا بعضٌ مِن سِرِّ الحجِّ، أنَّه لا يغيِّر المكان فقط، ولكن أيضًا يُعيد تشكيل علاقتنا بالزَّمن نفسه.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store