على مقربةٍ من الكعبة المشرَّفة، وفوق جبل أبي قبيس، حيث صدع النبيُّ محمَّدٌ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- بالدَّعوة أوَّل مرَّة، يلتقي شرفُ الزَّمان بعظمة المكان، وتتعانق قداسة الرِّسالة مع هيبة التاريخ. هنا مكَّة المكرَّمة، مهبط الوحي، وقِبلة المسلمين، حيث زمزم، والحجر الأسود، والمقام، والمطاف، وحيث تتَّجه أفئدة المؤمنِينَ من كلِّ أنحاء الأرض طائفِينَ وخاشعِينَ، يرجُونَ رحمة الله ورضوانه.
قال اللهُ تعَالَى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾، فكان النداءُ الربانيُّ الذي أطلقه خليلُ الله إبراهيمُ -عليهِ السَّلامُ- بداية رحلةٍ إيمانيَّة خالدة، تتجدَّد كلَّ عام في مشهدٍ إنسانيٍّ مهيب، يجمعُ المسلمِينَ على اختلاف ألسنتهم وألوانهم تحت راية التَّوحيد.
ويُعدُّ الطَّواف بالبيت الحرام من أعظم العبادات وأجلِّ القُربات، فهو ركنٌ أساسٌ من أركان الحجِّ والعُمرة، وعبادة تمتلئ بمعاني التعظيم والخضوع لله سبحانه وتعالى. وقد ظلَّ المطافُ عبر العقود يشهدُ جهودًا متواصلة للتطوير والتوسعة، حتى أصبح اليوم نموذجًا هندسيًّا وتنظيميًّا فريدًا يخدم ملايين الحجَّاج والمعتمرِينَ.
وقد أولت المملكةُ العربيَّة السعوديَّة، منذ تأسيسها، عناية استثنائيَّة بالحرمين الشَّريفين، انطلاقًا من مسؤوليَّتها الدينيَّة والتاريخيَّة تجاه قِبلة المسلمِينَ. وشهد المسجد الحرام خلال السنوات الأخيرة توسُّعات ضخمة، ومشروعات نوعيَّة أسهمت في رفع الطاقة الاستيعابيَّة للمطاف والمسعَى، وتسهيل حركة الحشود، وتطوير الخدمات الذكيَّة، بما يضمن راحة ضيوف الرَّحمن وسلامتهم.
ومن أحدث هذه الجهود استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعيِّ والأنظمة الرقميَّة في إدارة الحشود وتنظيم حركة الطائفِينَ، إلى جانب توفير تطبيقات إلكترونيَّة متعدِّدة بلغات مختلفة لخدمة الحجَّاج والمعتمرِين، فضلًا عن التوسُّع في وسائل النقل الحديثة، ومنها قطار الحرمين السريع الذي أصبح حلقة وصل متطوِّرة بين مكَّة المكرَّمة والمدينة المنوَّرة وجدَّة.
كما شهدت مواسمُ الحجِّ الأخيرة نجاحات تنظيميَّة وصحيَّة لافتة، بفضل الخطط المتكاملة التي تنفِّذها الجهات المختصَّة، والتنسيق الكبير بين مختلف القطاعات الأمنيَّة والصحيَّة والخدميَّة، الأمر الذي عزَّز مكانة المملكة عالميًّا في إدارة الحشود البشريَّة الكُبرى.
إنَّ قيام المملكة بقيادة خادم الحرمين الشَّريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله- بخدمة الحرمين الشَّريفين، ليس مجرد واجب إداريٍّ، بل رسالة شرف ومسؤوليَّة تاريخيَّة، تعكس عمق الانتماء الإسلاميِّ، وتجسد اهتمام هذه البلاد المباركة بخدمة الإسلام والمسلمين.
ولا غرابة في ذلك، فقد اختصَّ الله -سبحانه وتعالى- هذه البلاد بشرف رعاية أطهر بقاع الأرض، مكَّة المكرَّمة، المدينة التي لا تجتمع أركان الإسلام الخمسة كاملة إلَّا فيها؛ فبإمكان المسلم أنْ يشهد، وأنْ يصلِّي، وأنْ يصوم، وأنْ يزكِّي حيث شاء، لكنَّ الحج إلى بيت الله الحرام لا يكون إلَّا في مكَّة؛ لتظل هذه المدينة المقدَّسة قلب العالم الإسلاميِّ النابض بالإيمان، ومهوى أفئدة المسلمين عبر الزمان.


