أسوأُ ما في الأوغادِ في بيئَةِ العملِ، أنَّهُم يَبدونَ، للوهلةِ الأولى، زملاءَ «لُطَفاءَ»! إنَّهم يبرعُونَ في ارتداءِ الابتسامةِ الإداريَّةِ الرسميَّةِ بوصفِها قناعًا ضروريًّا من جملةِ الأقنعةِ التي يستعمِلُونَها، ويتحدَّثُونَ عن روحِ الفريقِ، ويكتبُونَ عباراتٍ مهنيَّةً تبدُو أخلاقيَّةً ومحفِّزةً، بينما يتسلَّقُونً على أكتافِ الآخرينَ للصُّعودِ درَجةً أعلى، ويتملُّقونَ مَن يمكنُهُ جرُّهم إلى أعلى السلَّمِ الوظيفيِّ، بغضِّ النظرِ عن استِحقاقِهم.
الوغدُ الوظيفيُّ لا يُتعِبُ نفسَهُ في الإنجازِ، بل ينسبهُ إليهِ عندَ اكتمالِهِ. يتركُ غيرَهُ يُبدعُ الفكرةَ ويطوِّرُها، ثم يقفُ كالضَّبعِ في اللحظةِ المناسبةِ أمامَ الإدارةِ قائلًا: «الحمدُ للهِ، استطعنَا الوُصولَ لهذا المُقترَحِ والإنجازِ»، مع أنَّهُ لا يوجَدُ في الكواليسِ إلَّا جهدُ عددٍ قليلٍ من الموظَّفينَ، أو شخصٌ واحدٌ فقط.
أكثرُ ما يُميِّزُ الوغدَ في بيئةِ العملِ أنَّهُ يٌحاولُ إظهارَ غيرِه على هيئةِ الموظَّفِ الحسَّاسِ الذي «لا يتحمََّلُ النقدَ». إنَّه يَعرِفُ جيِّدًا كيفَ يَقلبُ الطاولةَ، ثم يَتَّهِمُ غيرَه بالتسبُّبِ في الفوضَى، لِمجرَّد أنَّ الآخرَ عبَّرَ عن انتقادِه للطَّريقةِ التي يسيرُ بها العملُ، واقترحَ وسائلَ لتحسينِ الأداءِ وتكريسِ الشَّفافيَّةِ والعدَالةِ.
ولأنَّ الوغدَ كائِنٌ جبانٌ بطبعِهِ، نادرًا ما يُهاجِمُ مُباشرةً؛ فهو يُفضِّلُ الأسلوبَ «الأنظفَ»: التلميحَ، والغمزَ، والوِشايةَ، والهمسَ في الممرّاتِ! فيُشكِّكُ في التزامِكَ، أو في كفاءتِكَ، أو في «استقرارِكَ النفسيِّ»، لكن دائمًا «بحِرصٍ» و»محبَّةٍ»!.
مِنَ المهمِّ ألَّا تفتحَ قلبَكَ له، ولا تُظهِرَ خططَكَ ولا مشكلاتِكَ على طبقٍ من الثِّقةِ؛ فهذا النَّوعُ من الكائناتِ يُفتِّشُ عن نقاطِ ضعفِكَ ويتحيَّنُ الفُرَصَ لاستِفزازِها. كُنْ مهنيًّا، هادئًا، دقيقًا، لكن غيرَ قابلٍ للاستِغفالِ.
وعمومًا، يُمكنُ تجنُّبُ أذى «الوغدِ» بالتخلُّصِ من وَهمِ أنَّكَ ستنجُو إذا أرضيتَهُ؛ فإرضاءُ الوغدِ يُشبِهُ سكبَ الماءِ في الرَّملِ!، ثمَّ بِجعلِ جهدِكَ وتواصُلِكَ موثَّقَيْنِ لا شفهيَّيْنِ؛ بريدًا إلكترونيًّا، ملفًّا بتاريخٍ واضحٍ، نُسخةً مُرسلةً للجهةِ المُناسبةِ. إنّ الوغدَ يعيشُ في الظّلالِ، فكلَّما سلَّطتَ الضوءَ على التّفاصيلِ، خفَّت قدرتُهُ على التلاعُبِ.
وأخيرًا، من الحِكمةِ التمسُّكُ بقاعدةٍ واضِحةٍ وبسيطةٍ: مكانُ العملِ ليسَ جمعيَّةً خيريَّةً لإصلاحِ الأوغادِ!. مهمّتُكَ أن تَحمي نفسَكَ وكرامتَكَ ومهنيّتَكَ، لا أن تُعلِّمَ من قرَّرَ أنْ يعيشَ «وغدًا» معنى الضَّميرِ والاحترامِ.


