Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أ. د. عبدالرحمن سعد العرابي

رحلة العودة من الحج

A A
لم تكْن رحلةُ العودة من الحجِّ سهلةً عبر التَّاريخ، بل كانت مثلها مثل رحلةِ القدوم، تشهدُ أهوالًا وصعوباتٍ جمَّة سواءً لحجَّاج البرِّ القادمِين بالقوافلِ، أم حجَّاج البحر. فحجَّاج البرِّ كانوا مُعرَّضِين -بالإضافة إلى العوائق الطبيعيَّة- لطرقٍ غير آمنةٍ، فكم من حادثةٍ شهدت مقتل أعدادٍ كبيرةٍ من الحجَّاج. أيضًا حجَّاج البحر، والذين يأتُون من مسافات بعيدة، من شبه القارة الهنديَّة، ومن جزر الملايو، ومن الأرخبيل الإندونيسي عبر المحيط الهنديِّ، وبحر العرب، والبحر الأحمر، كانت رحلاتُهم محفوفةً بالمخاطرِ من تياراتٍ وعواصفَ بحريَّةٍ مدمِّرة.
رحَّالة عديدُونَ ممَّن أدُّوا مناسك الحجِّ، نقلوا تجاربهم بما سجَّلوه، تُعتبر اليوم زادًا معرفيًّا للباحثِين والمهتمِّين. من أولئك الرحَّالة السويسريُّ جون لويس بوركهارت (الشيخ إبراهيم السويسري)، الذي أدَّى الحجَّ في عام1229هـ/1814م، يصف رحلة العودة بقوله: «في يوم مغادرة مكَّة، لا بُدَّ من زيارة الكعبة لطواف الوداع، فيركبُ الحجَّاج جِمَالهم مغادرِين بمجرَّد الانتهاء من هذه المناسك. غادرتُ مكَّة في قافلةٍ مكوَّنةٍ من خمسين جَمَلًا يمتلكُها بدو قبيلتَي الرِّياشي وزبيد، وكانت الطريقُ بين مكَّة والمدينة ليست آمنةً، فالذين يضلُّون الطريقَ معرَّضُون دائمًا للخطر. وقد وقعت أمامنا حادثة للحجَّاج، فقد كان هناك عددٌ كبيرٌ من حجَّاج الملايو الفقراء غير قادرِينَ على دفع أجرة رُكوب بعيرٍ، فسارُوا على أقدامهم، وكان أحدهم قد تاه من قبل برفقة اثنين من البدو، كان قد وعدهما بتعويضهما بمبلغ عشرين قرشًا لو أعاداه إلى القافلة، ولمَّا لم يتمكَّن من توفير المبلغ أخذاه رهينةً، وجرَّداه من ملابسه، وجرَّاه مسافةً غير قصيرةٍ لربطه بشجرةٍ حتَّى يأتي أحدُ معارفه ويدفع المبلغ».
الرحَّالة المصريُّ اللواء إبراهيم رفعت باشا، أدَّى الحجَّ أكثر من مرَّة، أعوام 1318-1325هـ/ 1901-1908م، كأميرٍ لقافلة الحجِّ المصريِّ، والتي تضمُّ حجَّاجًا من شمال إفريقيا، ومن دول حوض البحر الأبيض المتوسط، يصف توديع المحمل المصريِّ في احتفال بهيج في مكَّة المكرَّمة ثمَّ يقول: «وقامَ ركبُنا ليلًا ميمِّمًا المدينة المنوَّرة، ولقينا يومًا شديد النَّصَب (التَّعب)، والطريق وادٍ بين جبال حجريٍّ في وسطه تقلُّ فيه الآبارُ، ولولا المياه التي جلبناها معنا من مكَّة لأضرَّ بنا الظمأُ إضرارًا بالغًا. وفي الطريق لصوصٌ، شاهدتُ منهم مَن يرمُون الحجَّاج بحجارةٍ صغيرةٍ، فإنْ انتبه الحجَّاج أجلَّ اللصوصُ سرقتهم حتَّى يغفُو حارس الحجَّاج، فيسطُونَ عليهم، ويستلبُون ما يصلُون إليه، وكنَّا في قافلتنا قد استأجرنا ثلاثة من البدو يرشدونَنا إلى مناطق لا يوجد بها لصوصٌ، وفي اليوم الـ(14) وصلنا المدينة، وقد بلغَنَا أنَّ العربان سطوا على قافلةٍ من (300) جَمَلٍ ونهبُوهَا وقتلُوا بعض جمَّالَتِها».
تطول القائمة عن الأهوال التي كان الحجَّاج يلاقُونَها في طريق عودتهم إلى بلدانهم، وذلك بسبب عجز الحكومات، والدول التي كانت تحكم المناطق التي تمرُّ بها قوافل الحجِّ، واليوم -بفضل الله- يشهدُ الحجُّ خدماتٍ لم يعرفها تاريخُ الحجِّ منذ مناداة خليلِ الله النبيِّ إبراهيم -عليهِ السَّلامُ- به، وما تقدِّمه حكومةُ المملكة لراحة الحجَّاج منذ اللَّحظة التي يُغادرُون فيها بلدانهم، وحتى عودتهم.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store