حين تُذكر مكَّة المكرَّمة، فإنَّ أوَّل ما يتبادر إلى الأذهان قدسيَّتها الدينيَّة، ومكانتها الروحيَّة لدى المسلمين، ثم يأتي بعد ذلك تاريخها العلمي العريق، الذي امتدَّ عبر القرون، حيث كانت مهوى أفئدة العلماء، وطلاب العلم من مختلف أنحاء العالم الإسلاميِّ، فمن رحاب المسجد الحرام، انطلقت حلقات العلم الشرعيِّ واللغويِّ والفقهيِّ والتفسيريِّ، وتخرَّج أجيالٌ من العلماء الذين حملُوا رسالة الإسلام إلى مشارق الأرض ومغاربها، حتى أصبحت مكَّة المكرَّمة واحدةً من أعظم الحواضر العلميَّة في التاريخ الإسلاميِّ.
فقد بدأت تجربة التعليم الجامعي الحديث في المملكة من مكَّة المكرَّمة، عندما صدر الأمرُ الملكيُّ من الملك المؤسِّس عبدالعزيز -رحمه الله- بإنشاء كلية الشريعة عام 1369هـ؛ لتكون أوَّل مؤسَّسة للتعليم العالي في المملكة، والخليج العربيِّ.
ثمَّ جاءت كليَّة المعلِّمين عام 1372هـ؛ لتواكب احتياجات الدولة التعليميَّة المتنامية، قبل أنْ تتطوَّر لاحقًا إلى كليَّة التربية عام 1382هـ، في خطوة جسَّدت اهتمام الدَّولة ببناء الكفاءات الوطنيَّة في مجالات التعليم والتأهيل الأكاديميِّ، ومع التوسُّع في إنشاء الكليَّات والتخصُّصات المختلفة، تأسَّست جامعة أم القرى بصورتها الجامعيَّة الشَّاملة عام 1401هـ، لتصبح إحدى أبرز الجامعات السعوديَّة والعربيَّة.
غير أنَّ المتأمِّل في هذا التاريخ يدرك أنَّ النواة الحقيقيَّة للتعليم الجامعيِّ في المملكة انطلقت من العلوم الشرعيَّة واللغة العربيَّة، وأنَّ كلية الشريعة بمكة المكرمة لم تكن مجرد كلية أكاديمية، بل كانت مشروعًا حضاريًّا وتاريخيًّا حمل رسالة المملكة العلميَّة إلى العالم الإسلامي، ولذلك فإنَّ إعادة الاعتبار لهذا الإرث العلميِّ عبر إنشاء جامعة مستقلِّة متخصِّصة في العلوم الشرعيَّة واللغة العربيَّة في مكَّة المكرًّمة، يُعدُّ فكرةً جديرةً بالدِّراسة والتأمُّل.
إن العالم الإسلامي اليوم، بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى مؤسَّسة أكاديميَّة عالميَّة رائدة؛ تُعنى بإعداد علماء الشريعة واللغة العربيَّة، وفق منهجيَّة علميَّة تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتخاطب تحدِّيات العصر بلغة علميَّة معتدلة ومنفتحة، فالتغيُّرات الفكريَّة والثقافيَّة والتقنيَّة التي يشهدها العالم تفرض تطوير أدوات التعليم الشرعيِّ، وإعداد جيل قادر على الجمع بين الفهم العميق للنصوص الشرعيَّة، والقدرة على التعامل مع القضايا المعاصرة بمهنيَّة ووعيٍ فكريٍّ.
ومن هنا يمكن أنْ تتبلور فكرة إنشاء «جامعة العلوم الشرعية واللغة العربية» في مكة المكرمة، لتكون جامعة عالمية، تستقطب طلبة العلم من مختلف الدول الإسلامية، ويمكن لهذه الجامعة أنْ تضم كليات متخصصة في الشريعة، وأصول الدين، واللغة العربية، والدراسات الحضاريَّة الإسلاميَّة، إلى جانب مراكز بحثية عالمية تُعنى بالحوار الحضاري والوسطية والذكاء الاصطناعي في الدراسات الإسلاميَّة وخدمة اللغة العربيَّة.
وفي المقابل، فإنَّ هذا التوجُّه قد يمنح جامعة أم القرى مساحةً أكبر للتفرُّغ للتخصصات العلميَّة الحديثة التي تحتاجها المملكة في المرحلة المقبلة، مثل الطب، والهندسة، والذكاء الاصطناعيِّ، والتقنيات المتقدِّمة، والسياحة، وإدارة الأعمال، والعلوم الصحيَّة، بما ينسجم مع مستهدَفات رُؤية السعوديَّة 2030، التي تسعى إلى بناء اقتصاد معرفيٍّ متنوِّعٍ وقائمٍ على الابتكار والتقنية.
ولا يعني ذلك الفصل بين العلوم الشرعيَّة والعلوم الحديثة، بل على العكس، فإنَّ وجود جامعة متخصِّصة عالميَّة للعلوم الشرعيَّة إلى جانب جامعة حديثة متعدِّدة التخصُّصات، قد يخلق نموذجًا أكاديميًّا متكاملًا يجمع بين الأصالة والتطوير.
ومن المتوقَّع أنْ تحظى هذه الجامعة بإقبالٍ علميٍّ واسعٍ من مختلف أنحاء العالم الإسلاميِّ، إذ إنَّ مكانة مكَّة المكرَّمة ستجعلها بيئةً جاذبةً لكبار العلماء والمتخصِّصين في العلوم الشرعيَّة واللغة العربيَّة، بل إنَّ العديد منهم قد يرى في التدريس بها لمدة فصل دراسيٍّ؛ رسالةً علميَّةً وشرفًا معنويًّا، قبل أنْ يكون عملًا وظيفيًّا، كما ستستقطب الجامعة آلاف الطلبة المسلمين حول العالم؛ الذين يتطلَّعُون للدِّراسة في مكَّة المكرَّمة، والنَّهل من علومها الشرعيَّة واللغويَّة في بيئة علميَّة أصيلة وقريبة من الحرمين الشَّريفين، لتتحوَّل إلى مركز عالميٍّ يعكس رسالة المملكة العلميَّة والحضاريَّة؛ ودورها الريادي في خدمة الإسلام والمسلمين.
كما أنَّ تطبيق هذه الفكرة لا يبدُو أمرًا معقَّدًا من الناحية التنظيميَّة أو التاريخيَّة، خاصَّةً أنَّ تجربة جامعة أم القرى نفسها تُعدُّ نموذجًا ناجحًا في هذا المجال، حيث كانت كلياتها في بداياتها تابعةً لجامعة الملك عبدالعزيز، قبل أنْ تنفصل لاحقًا، وتتحوَّل إلى جامعةٍ مستقلَّةٍ تحمل اسم جامعة أم القرى، بعد التوسُّع في الكليَّات والتخصُّصات، ومن هذا المنطلق، يمكن دراسة تطبيق الفكرة ذاتها عبر فصل كليتَي الشَّريعة والتربية؛ لتشكِّلا نواةَ جامعةٍ مستقلَّةٍ للعلوم الشرعيَّة واللغة العربيَّة، مع التوسُّع التدريجيِّ في التخصُّصات الشرعيَّة واللغويَّة والدِّراسات الإسلاميَّة الحديثة. كما أنَّ اختيار مقرٍّ لهذه الجامعة ضمن أحد مشروعات التطوير العمرانيِّ الحديثة عند مداخل مكَّة المكرَّمة وداخل حدود الحرم، سيمنحها بُعدًا حضاريًّا ومعماريًّا يليق بمكانة مكَّة العلميَّة والروحيَّة، ويجعلها نموذجًا عالميًّا يجمع بين أصالة الرسالة، وحداثة البيئة التعليميَّة.


