وفي عام 1375هـ بدأت مرحلة التنظيم الرسميِّ للحركة الكشفيَّة عبر برامج تدريبيَّة متخصِّصة وتأسيس أول نادٍ كشفيٍّ بالمملكة قبل أنْ تشهد الحركة نقلة مهمَّة خلال أواخر السبعينيَّات الهجريَّة بدعم الملك سعود بن عبدالعزيز آل سعود –طيب الله ثراه- الذي وجَّه بإقامة أول معسكر كشفي في مكَّة المكرَّمة.
6 أيام قبل وصول الحجَّاج
ومن جانبه يستعيد القائد الكشفي يحيى حسن المولد مدير مكتب رابطة الروًّاد بمحافظة الطائف بداياته مع معسكرات الخدمة العامَّة، مشيرًا أنَّ أول مشاركة له كانت عام 1400هـ عندما قاد فرقة كشفيَّة في معسكر منى ضمَّت 24 كشافًا.
وقال إنَّ الاستعدادات كانت تبدأ من معسكر العزيزيَّة بمكَّة المكرَّمة، حيث يتم توزيع الكشَّافين قبل الانتقال إلى منى وعرفات لتنفيذ أعمال المسح الميدانيِّ وإعداد المواقع الإرشاديَّة للحجَّاج على مدى 6 أيام متواصلة.
ويروي المولد موقفًا يعكس روح العمل التطوعي لدى الكشَّافين حين كان بعض أفراد الفرق يرفضُون العودة إلى المعسكر للرَّاحة بعد انتهاء الفترة الصباحيَّة مفضِّلين البقاء في مواقعهم لاستكمال إرشاد الحجَّاج رغم الإرهاق والتعب.
ومن المواقف المؤثِّرة التي لا ينساها أنَّ بعض الحجَّاج التائهين بعد العثور عليهم كانوا لا يرغبُون في العودة مباشرة إلى حملاتهم بسبب ما يجدونه من حسن استقبال ورعاية داخل مراكز التائهِين.
تكريم بالوسام الفضي
أمَّا القائد الكشفي علي بكر هوساوي، أحد أبناء الرعيل الأول في الرئاسة العامَّة لرعاية الشباب سابقًا ووزارة الرياضة حاليًّا، وأول قائد كشفي يحصل على الشارة الخشبيَّة، فيؤكِّد أنَّ رحلته مع خدمة الحجَّاج بدأت عام 1396هـ حين عمل مرشدًا للحجَّاج في مراكز إرشاد الحجَّاج التابعة لوزارة الحجِّ والأوقاف سابقًا.
وأشار إلى أنَّ العمل كان يبدأ من مراكز العُمرة بجوار مسجد السيدة عائشة بالتنعيم، وأم الجود، وخط جدة السريع، ثم ينتقل الكشافون في 7 من ذي الحجة إلى منى للعمل في مراكز إرشاد الحجَّاج التائهِين قبل العودة بعد انتهاء الحجِّ إلى المراكز المجاورة للحرم المكيِّ.
ومن أبرز المواقف التي يعتزُّ بها ما حدث في أحد معسكرات الحجِّ بمنى عندما وصلت سيدة مسنَّة تائهة إلى مركز التائهين قادمة من عرفات في منتصف الليل، وبعد عدة محاولات فاشلة طلب منه مدير المعسكر -في حينها- الرَّاحل محمد بن نمشان -رحمه الله- مرافقتها بنفسه لخبرته بمواقع منى، وعندما وصل إلى المخيم استقبلها زوجها وأبناؤها بدموع الفرح، فيما شعر هو بالفخر والاعتزاز.
وأعرب عن فخره بحصوله على الوسام الفضيِّ للمتميِّزين من خادم الحرمين الشَّريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود حينما كان أميرًا لمنطقة الرياض.
ضياع المكافآت
بدوره أوضح القائد الكشفي عبدالله مصلح المريح رئيس قسم النشاط الكشفيِّ بتعليم منطقة الجوف، أنَّ أول مشاركة له في خدمة الحجَّاج كانت عام 1394هـ عندما كان كشافًا في معهد المعلِّمين بمدينة سكاكا.
ويروي المريح موقفًا لا يزال عالقًا في ذاكرته عندما صادف طفلًا سعوديًّا يبلغ من العمر 6 سنوات تائهًا برفقة أحد العسكريِّين أثناء عودته بعد إيصال أحد الحجَّاج إلى مخيمه، حيث طلب منه العسكريُّ مرافقة الطفل إلى مركز الأطفال التائهِين، إلَّا أنَّ الطفل رفض، وتمسَّك بيده طالبًا البقاء معه، وعندما ذهب إلى قائد المعسكر الرَّاحل سعد الصفيان، طلب منه البحث عن أسرة الطفل في مخيمات حجَّاج البر بمنطقة اللسان قرب مسجد الكويتيِّين، وبعد 4 ساعات من التجوال بين المخيمات تمكَّن من العثور على أسرته، وسط مشاعر فرح كبيرة.
ومن المواقف الصعبة التي واجهها حادثة ضياع مكافآت كشَّافة الجوف في مطار جدَّة، والتي كانت تقدَّر بنحو 65 ألف ريال، قبل أن يتم تعويضهم بالمبلغ كاملًا بتوجيه من الأمير نايف بن عبدالعزيز؛ تقديرًا لجهودهم في خدمة الحجَّاج.
الترقيم يدويًّا
في البداية يتذكر القائد الكشفي الدكتور علي أحمد الحفاشي، رحلته مع الحركة الكشفيَّة منذ أنْ كان طالبًا في المرحلة المتوسطة عام 1386هـ مؤكِّدًا أنَّ المعسكرات -آنذاك- كانت تقام في الموقع الذي تقوم عليه اليوم إمارة منطقة مكَّة المكرَّمة.
وأشار إلى أن الكشَّافين كانوا ينفِّذون أعمال مسح مشعرَي عرفات ومنى، وترقيم المواقع والمخيمات يدويًّا وسيرًا على الأقدام.
ويروي أنَّ أكثر المواقف تأثيرًا في حياته كانت لحظات العثور على الحجَّاج التائهين وإعادتهم إلى ذويهم، كما يتذكر حجم المعاناة التي كان يعيشها الكشَّافون في الماضي؛ بسبب ارتفاع درجات الحرارة وقلة الإمكانات، موضِّحًا أنَّ الاعتماد كان على المكيِّفات الصحراويَّة البسيطة داخل المعسكرات.


