Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

ورطــــــــــة

A A
فاجأنا الرئيس الصيني «شي جين بينغ» بكلمته الترحيبية بالرئيس الأمريكي الزائر والوفد المرافق له في مطلع شهر مايو. وقد أشار فيها إلى مبدأ «ورطة كبرى»، نقلًا عن أقدم مؤرخ في تاريخ العالم، وهو الإغريقي «ثيوسيديدس»...على وزن «خيّو- سيدي- كيس» والورطة معنية بقيام حروب غير متوقعة بين قوة صاعدة، وهي الصين، وقوة قديمة مستقرة، وهي الولايات المتحدة. والموضوع يحتاج إلى وقفة تأمل: أثبت الأمريكي د. جراهام أليسون الأستاذ في جامعة هارفارد أن الأدلة التاريخية خلال الخمس مائة سنة الأخيرة تؤيد مخاطر تلك الورطة. فضلًا عن ذلك، فإن الخلافات الكامنة والظاهرة بين البلدين كثيرة، ومتعددة الأوجه. وحتى مستوى الثقة بين البلدين هو في حالة «حدِّث ولا حرج». فأول ما قام به الرئيس الأمريكي والوفد المرافق له قبل مغادرة طائرتهم في زيارتهم الرسمية للصين هو إخفاء هواتفهم المحمولة خوفًا من التنصت من الصينيين. وآخر ما قاموا به في الزيارة هو إلقاء جميع الهدايا من الصينيين في كومة نفايات كبيرة خوفًا من التجسس وحركات «نصف الكم». يعني، بصراحة، إن الحساسية بين البلدين لا تحتاج إلى نظريات مؤرخين. وإليكم مجموعة من القضايا الأخرى: تصر الصين منذ أكثر من سبعين سنة على ضم جزيرة تايوان بالقوة، وتعترض أمريكا على ذلك. وتصر الصين على الهيمنة على بحر الصين الجنوبي، وتعترض أمريكا بقوة، وبالذات في مضيق «ملقا» الذي يقع بين ماليزيا وإندونيسيا، وللعلم فهو لا يقل حساسية عن قضية مضيق «هرمز». وفي مجال سلاسل الإمدادات الحرجة، تفرض الصين هيمنة شديدة على العناصر الأرضية النادرة، علمًا بأنها تهدد تلك الإمدادات في العديد من الصناعات الحيوية المدنية والعسكرية، وتعترض أمريكا على ذلك. ولا ننسى أنه خلال تاريخ حروب أمريكا الآسيوية وقفت الصين مع فيتنام، ثم مع كوريا الشمالية ضد أمريكا منذ بداية تلك الصراعات المسلحة العنيفة قبل أكثر من سبعين سنة. وهناك أيضًا أزمة ثقة بين البلدين في الفضاء. أوقفت أمريكا مشاركة الصين، بشكل خاص، في المشاريع الفضائية الدولية، ومنها على سبيل المثال محطة الفضاء الدولية، منذ أكثر من ربع قرن. أضف إلى كل هذا الحساسية الأمريكية الشديدة تجاه استثمارات الصين في جزيرة «غرينلاند»، لدرجة أنها أعلنت رغبتها في احتلال الجزيرة بأكملها. وإحدى انعكاسات الأزمة بين البلدين تمثلت في الرسوم الجمركية المفروضة على الصين التي رُفعت منذ فترة، وحظر بعض السلع والخدمات الصينية المهمة بالكامل من الأراضي الأمريكية.
* أمنيــــــــــة:
إشارة الرئيس الصيني إلى مخاطر ورطة الخلاف المسلح بين القوتين العظميين تُعد من العلامات المهمة، لكنها ليست كافية بمفردها للتسبب في قيام الحرب، لا سمح الله. وأضيف هنا معلومة مقلقة، وهي أن العلاقات بين الدول الكبرى قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية كانت أفضل مما نجدها اليوم في عالمنا المليء بالصراعات. ووسط كل هذه الزوابع، تذكرت حكمة المملكة، عبر تاريخها المشرف، في التعامل مع السياسة الخارجية بهدوء وصبر وإصرار على السلام والرقي. أتمنى أن يستفيد العالم من تجارب المملكة في المحافظة على نعمة السلام، فهي من أهم نعم الله علينا، وهو من وراء القصد.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store