قبل ثلاثة أعوام تقريباً كتبت مقالاً بعنوان: «هل كريستيانو صفقة رابحة أم خاسرة؟»، تمنيت فيه أن يتم التعامل مع التعاقدات الرياضية الضخمة بقدر أعلى من الواقعية، والتفريق بين الرغبة في الاستمتاع المحلي المشروع بوجود النجوم العالميين، وبين توظيف الرياضة كأداة للدبلوماسية العامة والقوة الناعمة وصناعة الصورة الذهنية. ففي ذلك الوقت بدا لكثيرين أن مجرد استقطاب كريستيانو رونالدو يمثل نجاحاً كاملاً غير قابل للنقاش، بينما رأيتُ حينها -ولا زلت- بأن الحكم المهني الحقيقي لا ينبغي أن يقوم على الضجة الإعلامية، بل على النتائج المتحققة فعلياً بعيداً عن الميول والعواطف.
اليوم، وبعد فوز نادي النصر بالدوري أخيراً، تبدو الصورة أكثر نضجاً ووضوحاً، ليس لأن بطولة واحدة تحسم الجدل بالكامل، ولكن لأنها تساعد على فهم أعمق لطبيعة مشروع الاستقطاب الرياضي، وما يمكن أن يحققه فعلاً وما لا يمكن أن يحققه بمفرده.
ففي المقال السابق أشرت إلى أن التركيز المفرط على «الأشهر» و»الأضخم» قد يتحول أحياناً إلى عبء اتصالي وإعلامي، وأن امتلاك اللاعب لمئات الملايين من المتابعين؛ لا يعني تلقائياً أن كل ما ينتج عن ذلك سوف يكون إيجابياً بالضرورة. وما زلت أعتقد أن هذا الطرح صحيح إلى حد بعيد، لأن جزءاً مهماً من التغطيات الغربية المرتبطة بالمشروع الرياضي السعودي؛ ظل يحمل قدراً من نفس الصورة النمطية السابقة المتحاملة، بل إن بعض أساليب إدارة المفاوضات والتعاقدات ساهمت أحياناً - دون قصد- في تكريس تلك الصورة وتعميقها.
لقد نجح رونالدو بالفعل في تحقيق اختراق لافت في الاهتمام العالمي بالدوري السعودي، فلم يعد الدوري مجرد منافسة محلية ذات متابعة إقليمية، بل أصبح جزءاً من دورة الأخبار الرياضية العالمية اليومية، وأصبحت أسماء مثل «النصر» و»الدوري السعودي» متداولة بصورة غير مسبوقة بين جماهير كرة القدم حول العالم. وهذه ليست مسألة هامشية في عالم الدبلوماسية العامة، لأن الانتباه العالمي «global attention breakthrough» بحد ذاته يمثل مورداً وهدفاً أساسياً، فالقوة الناعمة تبدأ غالباً بالتحول من كيان بعيد غير مفهوم؛ إلى موضوع حاضر في الوعي العالمي.
غير أن المشكلة في كثير من النقاشات الرياضية والإعلامية الحالية هي الخلط بين «الانتباه» و»الإنجاز»، و»الجاذبية». فالظهور العالمي يمكن تحقيقه أو تسريعه عبر استقطاب النجوم الكبار؛ واستضافة الفعاليات الضخمة.. لكن المكانة والجاذبية الرياضية المستدامة لا تُبنى بذلك وحده، بل تبنى عبر الإنجازات التنافسية الحقيقية والمتراكمة.
ومن هنا تأتي -ولو جزئياً- أهمية فوز النصر بالدوري مؤخراً كإنجاز رياضي ملموس، مع ضرورة إدراك أن بطولة محلية واحدة لا تكفي وحدها لإثبات نجاح كامل لمشروع بهذه الضخامة والطموح.. وهذا الأمر بالمناسبة لا يقتصر على «النصر» وحده، بل وقبله على المنتخب الغائب طويلاً عن منصات تتويج البطولات.
وفي تقديري؛ فإن الحكم المهني المتزن اليوم يقتضي الابتعاد عن ثنائية «نجاح مطلق» أو «فشل مطلق» لصفقة الاستقطاب، فما تحقق حتى الآن يشير إلى أن صفقة كريستيانو لم تكن مجرد ضجة إعلامية عابرة، لكنها أيضاً لم تتحول بعد إلى قصة نجاح رياضي مكتملة؛ كما يُصوّرها البعض.
لقد نجحت الصفقة في رفع الحضور العالمي للدوري السعودي وتسريع حضوره في الوعي الرياضي الدولي، لكنها في الوقت نفسه رفعت سقف التوقعات إلى درجة جعلت أي إخفاق يبدو أكبر من حجمه الطبيعي. كما أن النجاح الحقيقي للمشروع لا يُقاس بعدد متابعي اللاعب أو قمصانه المباعة، ولا حتى بحجم المشاهدات المليونية وعدد الإعجابات، بل يُقاس بقدرة الكرة السعودية على بناء منظومة مستدامة قادرة على إنتاج الإنجاز قارياً ودولياً، سواء على مستوى الأندية أو المنتخب.. وهو ما لم يتحقق بعد بالقدر المأمول.
وفي اعتقادي، فإن القيمة التاريخية الحقيقية لصفقة كريستيانو لن تتحدد بما حققه اللاعب وحده، بل بما إذا كانت الخطط الموضوعة ستنجح في تحويل «اقتصاد الانتباه» الذي صنعه إلى «اقتصاد إنجاز» دائم، يرسخ مكانة المملكة الرياضية عالمياً لسنوات طويلة قادمة، تستمر بنفس الزخم حتى بعد مغادرة اللاعب.


