بين شهيقٍ نملكُه، وزفيرٍ قد لا يأتِي، خيطٌ رفيعٌ يُسمَّى «العافية»، لا ندركُ قيمته الحقيقيَّة إلَّا حين نهتزُّ أمام احتمال فقدانه. وفي تجربةٍ لن أنساها ما حييتُ، لم يكن الأمر مجرَّد عارضٍ صحيٍّ عابرٍ، بل محطةٌ فارقةٌ أعادت ترتيب الأولويَّات، وكشفت لي حجم النعم التي نعيشُها كلَّ يوم دون أنْ نستشعر عظيم أثرها.
في خضمِّ ضغوط العمل، وتراكم المسؤوليَّات، وقلَّة النَّوم، كنتُ أظنُّ أنَّ الإرهاق الذي أشعرُ به أمرٌ طبيعيٌّ يمكن تجاوزه، لكنَّ جسدي كان يرسل إشاراتٍ لم ألتفت إليها بالقدر الكافي. وفجأةً، شعرتُ بدوارٍ شديدٍ، وثقلت الأرض تحت قدميَّ، وغاب الوعيُ للحظاتٍ كانت كفيلةً بأنْ تغيِّر نظرتي إلى الحياة بأكملها.
وعندما أفقتُ، كنتُ قد نُقِلتُ عبر رجال الهلال الأحمر، حيث بدأت رحلة العلاج، والفحوصات الدَّقيقة في مستشفى الملك فهد، وهناك وبفضل الله أوَّلًا، ثمَّ بفضل سرعة الاستجابة، وكفاءة الكوادر الطبيَّة، تبيَّن وجود جلطة دماغيَّة في الجهة اليُمنى. ورغم وقع الخبر وثقله، إلَّا أنَّ لطف الله -سبحانه وتعالى- أحاطنِي من كلِّ جانب، وتمَّ التعامل مع الحالة بمهنيَّةٍ عاليةٍ وعنايةٍ فائقةٍ، حتَّى تجاوزت مرحلة الخطر، وبدأت رحلة التَّعافي.
امتدَّت رحلتي العلاجيَّة والتأهيليَّة قرابة شهرٍ كاملٍ داخل المستشفى، عشتُ خلالها أيامًا مليئة بالدُّروس والعبر والتأمُّلات. رأيتُ عن قرب حجم الجهود التي تُبذل لخدمة المرضى، ولمستُ مستوى الرِّعاية الصحيَّة المتقدِّمة التي تنعم بها بلادنا، بدءًا من سرعة الاستجابة الطبيَّة، مرورًا بالتَّشخيص والعلاج، وانتهاءً بالرِّعاية والمتابعة المستمرَّة.
وخلال تلك الأيام، لم يكن الألمُ هو المشهد الأبرز، بل كان الامتنان. امتنانٌ لله -عزَّ وجلَّ- على لُطفه ورحمته، وعلى فرصةٍ جديدةٍ للحياة والتأمُّل والمراجعة. وامتنانٌ لوطنٍ جعل صحَّة الإنسان وكرامته أولويَّة، فوفَّر منظومةً صحيَّةً متكاملةً تضاهي أفضل الممارسات العالميَّة. كما لمستُ بعد خروجي من المستشفى استمرار الرِّعاية والمتابعة الصحيَّة، بما يعكس حرص الدولة -أيَّدها الله- على المواطن في مختلف مراحل العلاج والتَّعافي.
كما كانت هذه التجربة وقفة إيمانية عميقة، استحضرت فيها قولَ اللهِ تعَالَى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا﴾، وأيقنت أنَّ الابتلاء باب من أبواب التذكير والعودة إلى الله، وأنَّ الصحة نعمة عظيمة لا يعرف قدرها إلَّا من فقد شيئًا منها. وتأمَّلت كذلك أهميَّة المحافظة على الأذكار والتَّحصين الشَّرعي، والالتجاء إلى الله في كلِّ حين، فهو الحافظُ والمُعينُ.
لقد علّمني هذا الشَّهر أنَّ الحياة ليست سباقًا لا يتوقَّف، وأنَّ الجسدَ له حقٌ علينا، وأنَّ الرَّاحة ليست ترفًا، بل ضرورة. كما علَّمني أنَّ محبَّة الناس ودعواتهم الصَّادقة من أعظم النعم التي يرزقها اللهُ لعباده.
وفي ختام هذه التجربة، أتقدَّم بخالص الشُّكر والعِرفان لمقام القيادة الرَّشيدة -حفظها الله- على ما تُوليه من اهتمامٍ كبيرٍ بصحَّة المواطن، وجودة حياته، وعلى الدعم اللامحدود الذي يحظى به القطاعُ الصحيُّ في وطننا الغالي، حتَّى أصبحَ نموذجًا يُحتذَى به في الرِّعاية والخدمة الإنسانيَّة، كما أتوجَّه بالشُّكر والتَّقدير لإدارة مستشفى الملك فهد، ولكافَّة الأطبَّاء والممارسِين الصحيِّين والفنيِّين والإداريِّين الذين رافقوا رحلة علاجي طوال الشهر الماضي، وأحاطونِي بعنايةٍ صادقةٍ ومهنيَّةٍ راقيةٍ كان لها -بعد فضل الله- الأثر الكبير في تجاوز هذه المحنة.
ولا يفوتني أنْ أعبِّر عن بالغ امتناني لكلِّ مَن سأل عنِّي، أو تواصل للاطمئنان عليَّ، أو رفع يديه بالدُّعاء لي بظهر الغيب. لقد كانت كلماتُكم ودعواتُكم ومشاعرُكم النَّبيلة سندًا عظيمًا خفَّف عنِّي الكثير.
الحمدُ للهِ على كلِّ حالٍ، والحمدُ للهِ الذي بنعمتهِ تتمُّ الصَّالحاتُ، ومَا بعدَ العافيةِ إلَّا الشُّكرُ.


