كثير من الناس تجهل، أنَّ هناك ظروفًا مخففة للعقوبة، قد تدفع المحكمة إلى تخفيف العقوبة الأصلية للجريمة، سواء بإنزالها لما دون حدها الأدنى، أو عقوبة أخف؛ بهدف تحقيق التناسب بين خطورة الجرم وظروف الجاني، ومنها: صغر السِّن، تجاوز حدود الدفاع الشرعيِّ، الاعتراف والنَّدم، عدم وجود سابقة، إلى جانب الاستفزاز الشديد -وهو موضوعنا- بمعنى أنْ ترتكب الجريمة نتيجة استفزاز غير محقق من المجني عليه!!
لقد تفشَّت مؤخَّرًا ظاهرة الاستفزاز المربحة، التي تعتمد قيام أحدُهم بشطف مركبة تسير بسرعة نظاميَّة، حتى يلحقه سائقُها، ويصوِّر ردود أفعاله الغاضبة، أو قيام إحداهُنَّ بإغراء الشباب بسنابها، ثم تسجِّل مَن يتفاعل معها، وتحفظ مقاطعه، أو قيام أحدهم بتأليب الشَّارع الرياضي، وتصوير التغريدات المسيئة، ومن ثم رفع قضايا للمطالبة بتعويضات مجزية؛ ممَّا يدفعنا لمناشدة الجهات القضائيَّة، تفعيل الظروف المخففة للعقوبة، لوئد هذه الظاهرة المدمرة!!
الغريب، أنَّ الرأي العام غالبًا ما يتعاطف مع الشخص المستفز لغيره، ويعتمد مقطعه المجتز الذي صوَّره وصنعه لنفسه كدليل قاطع لسلامة موقفه، دون الأخذ في الاعتبار أسباب المشكلة، وقد لمسنا ذلك في آخر حادثتين متداولتين: إحداهما لفتاة فقدت أعصابها على شابٍّ ووالدته، وأمطرتهما بعبارات نابية، والأُخْرى لصاحب عائلة من شدَّة زعله رفض اعتذار الشابِّ وطالبه بالوقوف جانبًا للمفاهمة، وهو ما يعني تعرُّضهم لأفعال مستفزَّة!!
طبعًا، الذي يصوِّر المقطع المجتز؛ ليثبت سلامة موقفه، سوف يختار اللَّحظة المناسبة، والمواقف التي لصالحه، وسوف يتظاهر بسموِّ اخلاقه، وطول صبره، وسماحته، حتى يكسب تعاطف الناس الساذجة، ويدين الطرف الآخر بالواقعة، والذي غالبًا لا يعلم شيئًا عن التصوير، أو يتفاجأ به، ليجد نفسه في النهاية أمام تُهمة خطيرة قد تقضي على مستقبله، وأناس سطحيِّين كلَّما حاول تبرير موقفه ردُّوا عليه: المقطع واضح، والتُّهمة لابستك لابسة!!
لذلك، يجب على كل مَن يتم استفزازه على الطَّريق، أو بمواقع التواصل الاجتماعيَّة، أنْ يتجاهل المشكلة، أو يضبط نفسه، ويتحكَّم بمشاعره الانفعاليَّة، حتى لا تخرج عن السياق، وينتج عنها ألفاظ مُسيئة، أو تصرُّفات عدوانيَّة، وأنْ يحرص قدر المُستطاع على تصوير ما يعترضه بواسطة (الداش كام)، أو كاميرا جوَّاله، وأنْ لا يرسلها لأيِّ أحد فيشهر بخصمه، ويلحق به الضَّرر، وإنَّما يتَّصل بالشرطة، ويقدِّمه كدليل براءة أمام جهات التَّحقيق والمحاكمة.
الغريب، أنَّ الطرف التي يتصيَّد الناس، ويصوِّرهم بمقاطع مجتزَّة، غالبًا تجده: كبير سنٍّ، لم يكن دفاعه لأسباب مشروعة، لا يبدي اعترافه ولا ندمه، عليه سوابق مشابهة، إلى جانب تعمُّده الاستفزاز الشديد لضحاياه، بداية، وأثناء المشكلة بكلمات ملغَّمة، لهذا كل ما يحتاجه هو محامٍ شاطر يقلب القضيَّة، ويحبط مخطَّطه في نيل تعويضات مجزية، لنناشد حينها الجهات القضائيَّة، تفعيل الظروف المشدَّدة لعقوبته، ووئد ظاهرة الاستفزاز المربحة!!


