أبدأُ بتحيةٍ صادقةٍ مستحقَّةٍ لرجال الأمن، وكلِّ العاملِين في خدمة ضيوف الرَّحمن؛ فقد كان نجاح موسم الحجِّ هذا العام صورةً حيَّةً لمعنى الدولة القادرة على خدمة شعبها وشعوب العالم.. شكرًا لخدمتكم.
*****
وقف ابني فهر بن مالك الأسبوع الماضي، على مسرح الخطابة في مدرسة هارو البريطانيَّة العريقة، فألقى مقطعًا من خطاب جواهر لال نهرو «موعد مع القدر»؛ الكلمات التي قالها ليلة استقلال الهند في 14 أغسطس 1947. لم يستغرب أحدٌ في القاعة. وفي عدم الاستغراب تكمن الحكاية: فما تعطيه بريطانيا للعالم، حين يبقى باختيار العالم، لا يعود إمبرياليَّة. يصير بنيةً تحتيَّة مشتركة: لغةً، وقانونًا عامًّا، ومدرسةً وجامعةً، وموروثًا عامًّا للحُكم.
في هارو نفسها يلتقي السير ونستون تشرشل ونهرو، وكلاهما من خرِّيجيها. مثَّل تشرشل عصب الإمبراطوريَّة القديم: القيادة، والصمود، والبقاء عند الحافة، ثمَّ الانتقال. ومثّل نهرو المعنى الآخر للدولة: إنَّ أدوات الإمبراطورية -اللغة، والقانون، والتعليم، والخطاب الدستوري- تتحوَّل، في يد مَن تعلَّمها، إلى لغة قدرةٍ وحكمٍ رشيدٍ. لم يرفض نهرو الإرث الاستعماري؛ بل استعمله. وتلك هي المفارقة: أنَّ ما كان إمبراطوريًّا يصير، حين يبقى بالاختيار، أداةً عمليةً للحوكمة وتكوين الدولة.
ومن هنا تأتي لحظةٌ ثالثةٌ، مع رئيس وزراءٍ آخر: توني بلير. فقد كتب الأسبوع الماضي نقدًا حادًّا لسياسات حكومة حزب العمال، وقدَّم طرحًا قويًّا عن «الوسطيَّة الراديكاليَّة»، لا بوصفها تسويةً بين اليمين واليسار، بل محاولةً لاستعادة قدرة المملكة المتحدة على الفعل. والنقطة التي أصابها، في تقديري، عالميَّة: أنَّ أزمة الديمقراطيَّة اليوم ليست أزمة شفافيَّةٍ أو نزاهةٍ فحسب، بل أزمة قدرةٍ على الإنجاز، قدرة الحكومة على أنْ تفعل، وتُنتج، وتؤثِّر، وتترجم تفويض الجمهور إلى نتيجةٍ ملموسة.
فالوسطيَّة ليست ضعفًا، ولا منطقةً رماديَّة بين خصمين. هي مقام الشرعيَّة في الدولة حين تضبط نفسها: أن تحكم بالسياسة policy لا بالغضب، وبالكفاءة لا بالهتاف، وبالقانون لا بنزوة الجمهور، وبالأثر لا بمجرَّد إعلان النيَّة. فالقدرة بلا قانونٍ إدارةٌ بلا شرعيَّة، والقانون بلا قدرةٍ إجراءٌ بلا ثقة. والوسطية تعيد الصِّلة بينهما.
وهذا يصبح أيضًا شرط السيادة في زماننا. فقد سمَّى بلير القوتين الأمريكيَّة والصينيَّة، والنزعة الروسيَّة، وأضيف إليها الطموح الهندي. والقوى الكبرى تميل بطبيعتها إلى تعميم مصالحها في الأمن والمال والتكنولوجيا والمعايير. لذلك تحتاج القوى الوسطى إلى سيادةٍ قادرة: لا تكتفي بردِّ الفعل، ولا تتحوَّل إلى ساحاتٍ للإمبراطوريَّات الجديدة.
وهذا درسٌ لا يخصُّ المملكة المتحدة وحدها، بل القوى الوسطى كلّها: أنْ نتعلَّم معنى الحكم القادر، قانونٌ يحكم، وتقنيةٌ تُدرَك، واقتصادٌ يُنتج، وتحالفاتٌ تُبنى من غير تبعيَّة. ولا حرج أنْ نأخذ من الإرث القديم ما صار اليوم ملكًا مشتركًا للجميع، فنستعمله بعقلٍ عمليٍّ، كما فعل نهرو، لا حنينًا ولا خضوعًا.
الضبط يبدأ في الطريف... وفي العالم يُختبَر.


