ومن هذا المنطلق، لو أردنا دراسة تاريخ كرة القدم في مدينة جدَّة، من المفترض أنْ ندرس المجتمع الجداويَّ بعبقه التاريخيِّ، وما أُحيط به من مؤثِّرات خلال الحقبة الزمنيَّة المعنيَّة للتعرُّف على بدايات ممارسة لعبة كرة القدم فيها، قبل أنْ تنتشر وتتطوَّر بشكل واسع في العهد السعوديِّ الزَّاهر.
معروفٌ أنَّ الاتحاد في بداياته، وغيره من الأندية السعوديَّة لعبُوا مع بعض البوارج البريطانيَّة، مثل هاستينجيس، وجون هور، وشيفيرن، ولكن وفق الوثائق والمعطيات الجديدة التي حصلنا عليها، وتوصلنا لها، فإنَّ البوارج البريطانيَّة قبل تأسيس الأندية السعوديَّة كانت تمارس اللعبة، وذكر ذلك غير مرَّة في الوثائق الخاصَّة بها، عندما زارت المدن الساحليَّة السعوديَّة ومن ضمنها مدينة جدَّة، ومن هنا عُرفت هذه اللعبة في هذه المدينة مطلع القرن الماضي.
التجربة المصريَّة والمغربيَّة
وإذا كان لنا في تجارب الآخرِين عِبرٌ، فإنَّ بداية الكرة في مصر الشَّقيقة كانت عن طريق الجنود البريطانيِّين كما ذُكر في تقرير مشروع توثيق تاريخ كرة القدم السعوديَّة (ص 38) وجاء فيه نصًّا:
بدأ تاريخ كرةُ القدم المصريَّة الحديثة في نهاية القرن التاسع عشر، (وقد أدخلها الجنودُ البريطانيُّون إلى البلاد عام 1882)، وكانت تُمارس في الثكنات والحاميات العسكريَّة، ثمَّ انتشرت كرة القدم بسرعة في الأحياء بالقاهرة، والإسكندرية.
بل إنَّ بعض الجنود البريطانيِّين الذين جاءوا إلى مصر كانوا لاعبين متمرِّسين.
مثل جيمي لوف أحدث ثورة في كرة القدم الإنجليزيَّة؛ كونه أول لاعب يحصل على أجر من ناديه.
إضافة الى اللاعب تومي هاربور، لاعب ديربي كاونتي، كان جنديًّا في مصر خلال الحرب العالميَّة الأولى، والتقى بتوفيق عبدالله، الذي انضم بعد ذلك إلى الدوري الإنجليزيِّ الممتاز.
أيضًا في المغرب الشقيق، بداية الكرة المغربيَّة -كما جاء في تقرير مشروع توثيق تاريخ كرة القدم السعوديَّة (ص 48)- كانت عن طريق الجنود الفرنسيِّين، وجاء فيه حرفيًّا:
مع بزوغ عهد الحماية الفرنسيَّة في عام 1912، شجَّع المارشال ليوتي تطوير الرياضة، كالدرَّاجات وكرة القدم، (التي كان يمارسها الجنودُ الفرنسيُّون) في الثكنات العسكريَّة، قبل أنْ تؤسس أول النوادي كالاتحاد الرياضيِّ المغربي عام 1913 بلاعبين ذوي أصول أوروبيَّة.
تضمَّن تقرير مشروع توثيق تاريخ كرة القدم السعوديَّة دلالات على معرفة لعبة كرة القدم عبر مشاهدة البوارج الحربيَّة، كما جاء في (ص 65) النصُّ التالي:
من جهةٍ أُخرى، فإنَّ عدم ممارسة كرة القدم من المواطنِين لا يلغِي المعرفة بها، ولو بشكل سطحي أو بسيط، من خلال مشاهدة من يلعبها خلال الاحتكاك بالأمم التي تمارسها، مثل بعض التجار الذين قد يكونُون سافرُوا للهند، أو بعض المسؤولين الذين يمكن أنْ يكونوا احتكُّوا بالبريطانيِّين، أو إحدى الجنسيَّات الأوروبيَّة، سواء من خلال (مشاهدة بوارجهم الحربيَّة)، أو السماع عنها عند تعاملهم مع موظَّفي القنصليَّات.
وجاء أيضًا في (ص 66):
إنَّ الحرب العالميَّة الأُولى، وعلاقة السلطة المحليَّة -آنذاك- مع البريطانيِّين وحاجتهم لبوارجهم ربَّما أتاحت للبعض من ذوي العلم باللُّغة الإنجليزيَّة في (البدء في تلمُّس المعرفة عن كرة القدم).
سجلَّات البحريَّة الملكيَّة البريطانيَّة
في سجَّلات بعض البوارج البريطانيَّة غير مرَّة دُوِّن نصٌّ بأنَّ فريق الكرة نزل من البارجة في وقت محدَّد، ثم إشارة إلى أنَّه عاد، وكمثال على ذلك:
• تذكر سجلَّات البارجة H.M.S. Cornflower في يوم الأحد 19 نوفمبر من عام 1922م، فرقة كرة القدم تحطُّ رحالها في جدَّة عند الساعة (3)، ثم عودتها مرَّة أُخرى إلى البارجة عند الساعة (5.30).
• تذكر سجلَّات البارجة H.M.S. Cornflower في يوم الاثنين 20 نوفمبر من عام 1922م، فرقة كرة القدم تحطُّ رحالها في جدَّة عند الساعة (3)، ثمَّ عودتها إلى البارجة مرَّة أُخرى عند الساعة (5.50).
ممَّا سبق يتَّضح لنا أنَّ بداية معرفة المجتمع الجداويِّ بكرة القدم كانت من خلال متابعة ممارسة جنود البوارج الإنجليزيَّة لها في بدايات القرن الميلاديِّ الماضي، والشاهد على ذلك:
أوَّلًا: في خضم الحديث عن بدايات الكرة، استشهد مشروع توثيق تاريخ كرة القدم السعوديَّة بالعديد من التجارب في دول أُخرى، ومن بينها الشقيقة مصر، والشقيقة المغرب، وأشار إلى أنَّ العامل الذي كان وراء انتشار كرة القدم في الشقيقة مصر، هم الجنود الإنجليز، والعامل الذي كان وراء انتشار كرة القدم في الشقيقة المغرب، هم الجنودُ الفرنسيُّون، ومن المنطقيِّ أنْ يكون على نفس الخطى جاءت معرفة المجتمع الجداويِّ بكرة القدم.
ثانيًا: مجهود كبير بذله فريق مشروع توثيق تاريخ كرة القدم السعوديَّة، حيث أبحر في جذور بدايات اللعبة، وتوصَّل إلى نتائج جيدة مشفوعة بوثائق ومستندات، ومن بينها الإشارة إلى دور البوارج الحربيَّة في التعريف بكرة القدم غير مرَّة.
ثالثًا: الوثائق التاريخيَّة النادرة للبارجة البريطانيَّة HMS CORNFLOWER التي حصلنا عليها -مرفق صورة كمثال- والتي تؤكِّد بأنَّ فرقة كرة القدم تحطُّ رحالها في جدَّة بتاريخ 19-20 نوفمبر من عام 1922م، في اليوم الأول من الساعة الثالثة حتى الساعة الخامسة والنصف، وفي اليوم التالي من الساعة الثالثة حتى الساعة الخامسة والخمسين، وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ مثل هذه الممارسات تمثِّل عاملًا هامًّا وراء انتشار اللُّعبة في المجتمع الجداويِّ.
رابعًا: جاء في تقرير فريق توثيق تاريخ كرة القدم السعودية (ص 78):
أقدم رصد لنشأة أندية كرة القدم من خلال المواطنِين كانت في عام 1926م، ولم يثبت لدى فريق العمل أي معلومة معتبرة، أو قطعيَّة عن نشأة أندية كرة القدم من خلال المواطنِين قبل الفترة 44-1345هـ الموافق 25-1926م.
والعام 1926م هو العام الذي تأسَّس فيه نادي الحجاز الرياضيِّ بجدَّة والذي انبثق عنه نادي الاتحاد.
ما يعزِّز القول إنَّ الكرة عُرفت في جدَّة أوَّلًا عن طريق البوارج؛ لذلك كانت سبَّاقة في تأسيس الأندية.


