في زمن أصبحت فيه العلاقات محور حديث كثير من النَّاس، أجدُ أنَّ هناك موضوعًا لا يقلُّ أهميَّةً، وهو بناء الذَّات، وصناعة مشروع خاصٍّ بنا. ليس بالضَّرورة أنْ يكون مشروعًا ضخمًا، أو شركةً كبيرةً، بل فكرة تبدأ صغيرةً، تكبرُ مع الوقت، وتمنح صاحبها شيئًا لا يقدَّر بثمن: الشعور بالإنجاز.
نحنُ نعيشُ في زمن أصبحت فيه الفرصُ متاحةً أكثر من أيِّ وقت مضى. شخص يملك موهبةً في الرَّسم، وآخر في التَّصوير، وثالث في الكتابة، أو التصميم، أو الطَّهي. ومع وجود وسائل التواصل الاجتماعيِّ، أصبح من الممكن تحويل الموهبة إلى مساحة عمل حقيقيَّة، إلى جانب الوظيفة الأساسيَّة، كثير من الناجحين اليوم لم يتركوا أعمالهم فورًا، بل بدأوا بخطوات بسيطة، واستثمرُوا ساعات فراغهم في بناء شيء يخصُّهم وحدهم.
وأرى أنَّ أهميَّة المشروع لا تكمنُ فقط في العائد الماديِّ، بل في أنَّه يمنح الإنسان علاقةً صحيَّةً مع نفسه. فعندما تستيقظ كلَّ يوم وأنت تعملُ على هدف يخصُّك، يصبح لديك سببٌ للاستمرار، وخطَّةٌ للمستقبل، ومساحةٌ تنمو فيها بعيدًا عن تقلُّبات الآخرِين.
استوقفتني مؤخَّرًا عبارة لاستشاريِّ العلاقات الأُسريَّة المعروف سعد الرفاعي، قال فيها: «رغم الشُّعور بالوحدة... أكمل؛ لأنَّ كلَّ هذا سيتلاشى بمجرَّد أنْ تصلَ إلى الباب الآخر، الذي من خلاله ستستعيد نفسك، وستلتفت حينها إلى الوراء، وترى أنَّ ما كنتَ تظنُّه خسارةً كانَ أحدَ أكبر انتصاراتِك». هذه العبارة لامستني فعلًا؛ لأنَّها تختصرُ رحلة كثير من النَّاس.
حين يدخل حياتك شخصٌ ويخذلك، أو حين تنتهي علاقة كنت تظنُّ أنَّها ستدوم، فإنَّ العودة إلى نفسك تصبح أسهل عندما يكون لديك ما تبنيه. مشروع، هدف، شغف، أو حتَّى حلم صغير ينتظر منك أنْ تمنحه الوقت والجهد. عندها لن تصبحَ حياتُك معلَّقةً على وجود أحدٍ أو غيابِهِ.
الحياة بطبيعتها مليئة بالتغيُّرات، والنَّاس يأتُون ويرحلُون، لكنَّ الشيءَ الذي يبقى معك دائمًا هو ما بنيته بيديك. لهذا استثمر وقتك، تعلَّم، طوِّر مهاراتك، وابدأ ولو بخطوة صغيرة. فكل مشروع كبير كان يومًا مجرَّد فكرة خطرت في ذهن صاحبها.
* من النافذة:
فكِّر بمشروعِكَ اليوم، فقدْ يكونُ بابَ النجاةِ الذي يعيدُكَ إلى نفسِكَ غدًا.


