Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أ.د. محمد رشاد بن حسن مفتي

دعوة للاهتمام بريفنا الجميل

A A
دُعيتُ -مؤخَّرًا- لزيارة إحدى الاستراحات الريفيَّة الجميلة، في ضواحي مدينة جدَّة، في منطقة لا تبعدُ كثيرًا عن صخب المدينة الساحليَّة. كانت الاستراحة من الداخل تشبه واحةً غنَّاء؛ مظهر سياحي بديع، تنسيق رائع، وخدمات تجعلُ منها مقصدًا مثاليًّا للرَّاحة والاستجمام. ولكن، ما استوقفنِي وأثار في نفسي الكثير من التساؤلات، هو الرِّحلة التي خضتُها للوصول إلى هذا المكان الجميل. فقد كان الطريقُ مزيجًا من أسفلتٍ متآكلٍ في أجزاء، وطرق ترابيَّة وعرة في أجزاء أُخْرى، يخترقُ قريةً صغيرةً أو بلدةً نمت -على ما يبدُو- بعيدًا عن خرائط التَّخطيط العمرانيِّ الدَّقيق.
الشوارعُ هناك ضيِّقة وغير منتظمة، تتلَّوى بعشوائيَّة بين بنايات صغيرةٍ وبسيطةٍ من دور واحد، يسكنُها أهالي المنطقة، وبعض العمالة. غابت عن المشهد أبسط مقوِّمات البنية التحتيَّة؛ فلا أرصفة واضحة، ولا لوحات إرشاديَّة تدلُّ العابرين، وافتقرت الأزقَّة للتَّرتيب والنَّظافة البلديَّة المُعتادة التي نفاخر بوجودها في مدننا الكبيرة. هذا التناقضُ الصَّارخُ بين روعة الاستراحة الداخليِّ والعشوائيَّة المحيطة بها، دفعني للمقارنة والتأمُّل.
بصفتِي مواطنًا يعتزُّ بوطنه، ويفتخر بما نشهده من طفرةٍ تنمويَّةٍ غير مسبوقةٍ في كافَّة المجالات، أؤمن إيمانًا تامًّا أنَّ لدينا من الإمكانيَّات ما يضاهي الكثير من الدول. وحين نقارن وضع ضواحينا بما نراهُ في الخارج، تتَّضح لنا الصورة. في الدُّول الأوروبيَّة المتقدِّمة، أو حتَّى في وجهات سياحيَّة مثل جورجيا والبوسنة، لا تقتصرُ جودة الحياة والخدمات البلديَّة على المدن الكُبْرى فقط. هناك، تجد القرى الصَّغيرة، والأرياف تحظى بنفس القدر من العناية؛ الطرقُ مُمهَّدة ومُضاءة، النَّظافة ثقافة وعمل مؤسَّسي، واللَّوحات تقودُك بسلاسةٍ إلى أبعد مزرعة.
في تلك البلدان، يقطعُ الزوًّار والسيَّاح عشرات الكيلومترات لزيارة مطعمٍ ريفيٍّ بسيط، أو لقضاء عطلة في أحضان الطبيعة؛ لأنَّ البنية التحتيَّة تدعم هذه التجربة، وتجعلها آمنةً وممتعةً. لدينا في ضواحي مدننا الكبيرة، مقوِّمات مشابهة، بل وأفضل. هذه القرى تضمُّ مدارسَ، وأسواقًا، ومزارعَ يمكنُ أنْ تتحوَّل إلى وجهاتٍ رئيسةٍ للسياحةِ الريفيَّة، ومطاعم يضرب لها النَّاسُ أكباد الإبل للتمتُّع بأجوائِها.
إنَّ هذه البلدات الصغيرة، هي جزء لا يتجزأ من نسيج الوطن، والاهتمام بها يجب أنْ يتوازى مع اهتمامنا بالمدن. امتداد الخدمات البلديَّة المتميِّزة، من سفلتة، وتشجير، وتنظيم، إلى هذه المناطق ليس مجرَّد تحسينٍ للمظهر، بل هو استثمارٌ حقيقيٌّ في السياحة الداخليَّة، وتوفير لجودة حياة أفضل لسكَّانها. متى ما مُدَّت يد التَّطوير إلى هذه الأطراف، ستزدهرُ وتصبحُ واجهاتٍ مشرِّفةً تعكس تطوُّر بلادنا بأكملها، من قلب أكبر مدنها، وحتَّى أهدأ قراها.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store