يُعدُّ حيُّ النزهة في مدينة جدَّة من أهم الأحياء التي تحملُ قيمةً إستراتيجيَّةً وحضاريَّةً، فهو الحيُّ الأقربُ إلى مطار الملك عبدالعزيز الدوليِّ، والبوابة الأُولى التي يمرُّ بها كلُّ زائر يصل إلى جدَّة من داخل المملكة، أو خارجها. ومن هنا، فإنَّ هذا الحيَّ لا يمثِّل مجرَّد منطقة سكنيَّة أو خدميَّة، بل يمثِّل الانطباع الأوَّل الذي يتكوَّن لدى المُسافر عن المدينة، وهو الانطباع الذي غالبًا ما يدوم ويؤثِّر في نظرته العامَّة لجدَّة.
إنَّ المدن الكبرى تُقَاس بجودة واجهاتها، وبمدى اهتمامها بالمناطق التي يمرُّ بها الزَّائرُ فور وصوله، وكما أنَّ نظافة مرافق المطار -وخاصَّة الحمَّامات- تعكسُ لدى الزَّائر مستوى النَّظافة في البلد، فإنَّ شوارع حيِّ النزهة ومبانيه تعكسُ مستوى التطوُّر العمرانيِّ والاهتمام البلديِّ من الدولة -حفظها الله-. فحين يخرجُ المسافرُ من المطار، فإنَّ أوَّل ما يراهُ هو الطرقُ المؤدِّية إلى هذا الحيِّ، والمباني المحيطة به، ومدى التَّنظيم والنَّظافة، وكل ذلك يساهم في تشكيل صورة جدَّة في ذهنه.
ورغم هذه الأهميَّة، إلَّا أنَّ الواقع الحالي لحيِّ النزهة لا يعكسُ الاهتمام والإنفاق الحكوميَّ كواجهةٍ لمدينة عالميَّة مثل جدَّة. فالشوارعُ تعاني من تكسُّرات وحفريَّات متكرِّرة، نتيجة أعمال شركات التَّطوير العمرانيِّ والبناء، إضافة إلى حفريَّات شركات الخدمات التي لا تُعاد سفلتتها بالشَّكل الصَّحيح؛ ممَّا يتركُ تشوُّهات دائمة في الطرق. كما أنَّ بعض المباني تعاني من هبوطاتٍ وتشقُّقاتٍ واضحةٍ، نتيجة الغشِّ في البناء، أو ضعف الإشراف الهندسيِّ، حتى إنَّ بعضها يبدُو وكأنَّه على وشك الهلاك. وتزداد المشكلة سوءًا مع مخالفات السَّلامة أثناء عمليَّات البناء، والتي تشوِّه المنظر العام، وتعرِّض السكَّان للخطر.
هذه المظاهر لا تليق بمدينة بحجم جدَّة، ولا تتناسب مع الاهتمام والرِّعاية الحكوميَّة ومكانتها الاقتصاديَّة والسياحيَّة، ولا مع حجم الزوَّار الذين تستقبلهم سنويًّا. كما أنَّها لا تعكسُ الصورة الحقيقيَّة لجدَّة الحديثة التي تشهد مشروعات تطويريَّة ضخمة في مختلف المجالات. فالواجهة يجبُ أنْ تكون على مستوى المدينة، وأنْ تعكس تطوُّرها واهتمامها بجودة الحياة.
ولمعالجة هذه التحدِّيات، فإنَّ الحل يكمنُ في فرض عقوبات صارمة على الشَّركات التي تتسبَّب في تكسير الشَّوارع، أو مخالفة أنظمة السَّلامة، وإلزام شركات الخدمات بإعادة الوضع إلى ما كان عليه بعد أي عمليَّة حفر. كما يجب إعادة سفلتة حيِّ النزهة بالكامل، وفق معايير عالية الجودة، وإعادة تأهيل المباني المتضرِّرة، أو إلزام ملَّاكها بإصلاحها. ولا يقلُّ أهميَّة عن ذلك إنشاء حدائق ومساحات خضراء تمنح الحيَّ مظهرًا حضاريًّا يليق بكونه واجهة جدَّة الأُولى.
ومع اقتراب استضافة المملكة لفعاليَّات عالميَّة كُبرى مثل كأس العالم، تصبح مسؤوليَّة تحسين واجهات المُدن أكبر من أيِّ وقت مضى. فجدَّة ستكونُ في دائرة الضوء، وسيبدأ الزَّائرُ تقييمه للمدينة من لحظة خروجه من المطار، ومن حيِّ النزهة تحديدًا.
إنَّ تطوير هذا الحيِّ ليس رفاهيَّة، بل ضرورة وطنيَّة تعكسُ مكانة جدَّة وتاريخها ومستقبلها. فحيُّ النزهة هو مرآة المدينة، والاهتمام به هو اهتمامٌ بصورة المملكة أمام العالم.
جهاد بن محمد حبيب
[email protected]


