مع التوسُّع الكبير في المشروعات الإستراتيجيَّة والحيويَّة، أصبحت الحاجةُ ملحَّةً إلى وجود إطار مؤسَّسيٍّ متخصصٍ، لا يقتصر دورُه على متابعة نسب التَّوطين، بل يمتدُّ إلى حوكمة الاستدامة الفنيَّة، وبناء الخبرة الوطنيَّة داخل القطاعات الحسَّاسة.
فالمشروعات المرتبطة بالطَّاقة، والمياه، والنقل، والبنية الرقميَّة، والحرمين الشَّريفين، إضافة إلى المشروعات التابعة للقطاعات العسكريَّة والأمنيَّة الحسَّاسة، تعتمد على منظومات تشغيليَّة معقَّدة تتطلَّب استمراريَّة عالية، وخبرات فنيَّة وإداريَّة متراكمة. ولا تزال نسبة كبيرة من الوظائف الفنيَّة والإداريَّة الحرجة تُدار عبر خبرات غير وطنيَّة، سواء لدى المقاولين، أو الاستشاريين، أو فرق التشغيل الفنيِّ.
ومن هنا تبرز أهميَّة إنشاء «مركز الحوكمة والدعم الهندسيِّ الوطنيِّ»؛ ليكون جهةً متخصِّصةً في قياس التوازن المهنيِّ داخل المشروعات الحكوميَّة، وتحليل مخاطر الاعتماد التشغيليِّ طويل الأمد على الخبرات غير الوطنيَّة، ومتابعة مؤشرات بناء وتمكين الكفاءات الوطنيَّة داخل القطاعات الإستراتيجيَّة، وضمان استمراريَّة التشغيل، ونقل المعرفة داخل القطاعات الحيويَّة.
كما يمكن أنْ يتولَّى المركز قياس كفاءة استثمار الدولة في رأس المال البشريِّ الهندسيِّ الوطنيِّ، من خلال متابعة استيعاب وتأهيل وتمكين الكفاءات الوطنيَّة داخل المشروعات الحيويَّة، وربط العقود الحكوميَّة بمؤشِّرات واضحة لنقل المعرفة، وبناء الخبرة الوطنيَّة المُستدامة.
فالدولة لا تخسرُ فقط عندما لا تستفيد من كوادرها الوطنيَّة، بل تخسرُ أيضًا عندما تضطر إلى إعادة شراء الخبرة التي استثمرت أصلًا في تعليمها وتأهيلها. ولذلك فإنَّ القضيَّة لم تعد مجرَّد ملف توظيف، أو نسب توطين، بل قضيَّة استدامة وطنيَّة ترتبط بالأمن التنمويِّ والتشغيليِّ للدولة.
فالاستدامة الحقيقيَّة لأيِّ مشروع إستراتيجيٍّ لا تتحقَّق فقط بتنفيذه، بل بقدرة الدولة على امتلاك المعرفة والخبرة والقرار الفنيِّ المرتبط به، وبناء كوادر وطنيَّة قادرة على إدارة وتشغيل هذه المنظومات الحيويَّة على المدى الطويل.


