Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

كن لنفسك... لا للآخرين

طارق محمود نواب

A A
الحياةُ قصيرةٌ جدًّا على أنْ تُبنَى على المجاملةِ، وعلى أنْ تُهدَر في تلميعِ صورة لا تُشبهكَ. فالنَّاسُ سيتكلَّمُونَ على أيِّ حالٍ. سواء نجحت، أو أخفقت، وسواء اخترت ما يُرضيهم، أو خالفتهم.
وذلك لأنَّ إرضاءَ النَّاس استنزافٌ لا تشعرُ به إلَّا حين تتعبُ دون أنْ تدري مِن ماذَا؟ فخطوةٌ بعدَ خطوةٍ، ستجد نفسك تتنازلُ، ثمَّ تُعدِّلُ، ثمَّ تُجاملُ، وتبتسمُ حين لا تريدُ، وتوافقُ حين لا تُؤمنُ، وذلك فقط لأنَّكَ لا تودُّ أنْ يُقَال عنكَ شيءٌ لا يعجبهم؛ ولأنَّك تخافُ أنْ تُفهم خطأ، أو تُنتقد، أو تُرفض.
وهكذا، شيئًا فشيئًا، تبدأ المسافةُ بينك وبين نفسك تتَّسع. فلا القرارات التي تتَّخذها تشبهكَ، ولا الكلمات التي تقولها تعبِّر عنكَ. ستضحكُ كثيرًا لتبدُو خفيفًا، وتصمتُ كثيرًا لتبدُو حكيمًا، وتُقلِّل من أحلامكَ لتبدُو واقعيًّا. وفي النهاية، فذلك لا يعود عليك بشيءٍ إلَّا أنَّكَ لم تعدْ تعرفُ مَن أنتَ؟
فالذين يعيشُونَ على هوَى النَّاس، ينسُونَ ملامحَهم الأصليَّة في زحمة الأقنعة. ومَن يسعى لأنْ يكونَ كل شيء للجميع، ينتهي به الحالُ ليصبح لا شيءَ لنفسه؛ لأنَّ النَّاس -بطبعِهِم- لا يرضيهِم شيءٌ كاملٌ، ولا يستقرُّ رأيُهم علَى حالٍ. فما يعجبهم اليوم، قد يُثقلهُم غدًا. ومن أحبَّك لأنَّك وافقته، قد يبتعدُ إذا اختلفتَ معه مرَّةً واحدةً.
والمشكلة لا تكمن في أنْ تأخذ رأيًا، أو تسمع نصيحةً، بل في أنْ تُعطي الآخرِينَ مقعد القيادة في حياتِكَ، ثمَّ تجلس في المقعدِ الخلفيِّ تشاهدهُم وهم يقرِّرُونَ بالنِّيابةِ عنكَ. حينها ستصبح حياتك مجرَّد ردِّ فعلٍ، لا موقف. وصوتًا خافتًا وسط جلبة أصوات من حولك، يُفكِّر بكَ الآخرُونَ، ويقرِّرُونَ لك، ويُشكِّلُونَ ما يجبُ أنْ تكون عليه.
وهنا، يبدأ التعبُ الحقيقيُّ... تعب لا يُشبه الإرهاقُ الجسديُّ، بل أشبه بثقلٍ داخليٍّ تعجز عن شرحه؛ لأنَّك لم تعد مرتاحًا لا مع نفسك، ولا مع ما تمثِّله للآخرِينَ. فأنت لا تتبعُ قناعتكَ، ولا تُرضِي نفسكَ، ومع ذلك لا تسمع منهم شكرًا ولا رضًا ثابتًا. فأنْ تُرضِي النَّاس هدف متحرِّك، لا تصلُ إليه أبدًا. فكلَّما اقتربتَ، ابتعدَ. وكلَّما فعلت ما يُطلب منكَ، ظهر طلبٌ جديدٌ. وحتى لو كسبت إعجابَهم للحظة، لن يدوم؛ لأنَّ ما بنيتَه من الخارج، لم يُزرَع في داخلِكَ. وما أُنجزَ بغير قناعتِكَ، لن يُثمر طمأنينةً.
وليس المطلوبُ أنْ تُغلِق قلبَك عن النَّاس، لكن ألَّا تفتحه لهم على حساب نفسِكَ. وأنْ تصغي لهم دونَ أنْ تتنازلَ عن صوتِكَ. وأنْ تُقدِّر وجودَهم دونَ أنْ تسمح لهم بإعادةِ ترتيب حياتِكَ، كما لو كنتَ ورقةً بيضاءَ في أيديِهِم. فالقوَّة ليست في أنْ تكونَ محبوبًا من الجميع، بل في أنْ تكونَ صادقًا مع نفسِكَ حتَّى لو لم يفهمك الجميعُ. وأنْ تمشي بخطى تعرفُ إلى أينَ تقودُكَ، وليس بخطى تُرضِي بها عيونًا تراقبُ ولا تهدأ.
وأصعب ما في إرضاء الآخرِينَ أنَّه يُدرِّبكَ على تجاهل صوتِكَ الداخليِّ. ويجعل القلقَ من رأي النَّاس يعلُو فوق قلقِكَ الحقيقيِّ. ولذلك، لا تجعل حياتكَ ساحةً لتوقُّعاتِهم. عشهَا بما ترَى أنَّه يستحقُّ أنْ يُعَاش. بما يُشبهكَ، لا ما يُبهجهم للحظة، فكُن كما أنتَ؛ لأنَّكَ لستَ نسخةً لأحدٍ، ولا واجبًا اجتماعيًّا يجب إنجازه، فأنتَ حياةٌ مستقلَّةٌ، لكَ ملامح خاصَّة، وتفاصيل لا تُكرَّر. ومَن لا يَرضَى بِكَ كمَا أنتَ، فلنْ يَرضَى بِكَ مهمَا حاولتَ أنْ تُشبَه مَا يريدُ.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store