في زمنٍ تتسابقُ فيه الأقلامُ؛ لتوثيق العاديِّ من الأحداث، وتتزاحمُ فيه الأوراقُ؛ لرسم هالات من البطولات الوهميَّة، يأتي كتاب «من الذاكرة.. سيرة زمان ومكان» لرائد التعليم الأستاذ مهدي بن إبراهيم الراقدي؛ ليقدِّم درسًا استثنائيًّا في فلسفة العطاء، وتجلِّيًا فريدًا لأدب الروَّاد الذين لم يبتغوا من وراء رصد مسيرتهم فخرًا، بل صاغُوا من إخلاصهم منارات تهتدي بها الأجيالُ القادمة.
تكمن المفارقةُ المدهشةُ في هذا المنجز الإنسانيِّ والتاريخيِّ، في تلك العبارة الآسرة، التي اعترفَ بها الراقديُّ بكلِّ نُبل وتواضع حين قال: «أنا رجلٌ لا يجيدُ الكتابة، ولستُ مؤلِّفًا ولا كاتبًا»، يا لروعة هذا التَّواضع، الذي يتصاغرُ أمام الحشد الأدبيِّ المحتفي به في نادي أبها الأدبيِّ، معتبرًا مسيرته ربع القرنيَّة في تأسيس وإدارة تعليم محايل عسير «مجرَّد سيرة عاديَّة لموظَّف أدى عمله وانتهى».
إنَّ هذه العبارة العفويَّة، هي ذاتُها التي تمنحُ الكتاب «فخامته» الحقيقيَّة، فالراقدي الذي يرى نفسه غير مجيدٍ للكتابةِ بأقلامِ الحبر، قد كتبَ بالفعل واحدةً من أعظم الملاحم التنمويَّة في تاريخنا التعليميِّ بمداد العَرَق، والسَّهر، والمشقَّة، والتِّرحال بين جبال تهامة وأوديتها الصَّعبة لتأسيس المدارس من نقطة الصِّفر، إنَّها المفارقة التي تثبت أنَّ المخلصِينَ الكبار يكتبُون التاريخ بأفعالهم قبل أقلامهم.
يؤصِّل هذا الكتاب لنوعٍ فاخرٍ من «أدب الروَّاد»، وهو الأدب الذي لا يقفُ عند حدود السَّرد الذاتيِّ الجافِّ، بل يربط الفرد بالزَّمن والمكان والتحوُّلات المجتمعيَّة، حين يتحدَّث الراقديُّ عن كونه المعلِّم السعودي الوحيد في ثانويَّة أبها الأُولى، أو حين يستعيد رحلته الشاقَّة لمدَّة خمسة أشهر لدراسة وضع قطاع تهامة، والمهمَّة القاسية مع لجنة مسح القُرى قبل إنشاء إدارة تعليم مستقلَّة بمحايل عام 1401هـ؛ فهو لا يسرد مذكرات شخصيَّة، بل يوثِّق قصَّة وطنٍ نهض بالتَّعليم والكفاح.
إنَّ سيرة مهدي الراقدي هي النموذج الحي لتحويل قصص العصاميين إلى طاقة إلهام متجددة، فالرجل الذي تملص من الكتابة؛ تهيبًا وتواضعًا، ترك خلفه إرثًا حافلًا بالوثائق والصور والمواقف التي تعكس روحًا وطنية وثابة، تجلَّت بوضوح منذ نبعت الفكرة الأولى للكتاب، قبل خمس سنوات، في ليلة احتفاء باليوم الوطنيِّ للمملكة.
ختامًا، حين كرَّم نادي أبها الأدبي الراقدي، بمنحه وثيقة التميُّز الثقافي وعضويته الشرفيَّة، وحين أطلقت إدارة تعليم محايل عسير اسمه على إحدى مدارسها الرَّائدة، لم يكن ذلك إلَّا جزءًا يسيرًا من رد الجميل لرجلٍ ترك بصمةً من نور في كلِّ بيت ووادٍ وجبلٍ.
يبقى الدور علينا، وعلى الأجيال اللاحقة، لقراءة وتفكيك مضامين هذا الكتاب البديع؛ لنتعلَّم كيف يتحوَّل الواجب الوظيفيُّ إلى رسالة إنسانيَّة خالدة، وكيف تصبح سيرةُ «رجل لا يجيدُ الكتابة» كتابًا يتهجَّأ فيه الوطنُ معاني الوفاء والتَّضحية.


