Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. أيمن بدر كريّم

المعنى المفقود

A A
يعيش الإنسان المعاصر في عصر مضطرب شديد التَّسارع، عصر التشتًّت والفراغ الرُّوحي، محاولًا ملء خوائه الداخليِّ بأشياءٍ متشابهة؛ لا يُميِّز بينها وضوح أو ذوق، فيغرق في دوَّامة الملل، ولا يزداد إلَّا تعبًا ويأسًا.
يرى (فيكتور فرانكل) -مؤلِّف كتاب «الإنسان والبحث عن المعنى»- أنَّ رواج كتابه الواسع ليس مدحًا لإنجاز فكريٍّ بالضَّرورة، بقدر ما هو صورة لبؤس هذا العصر الذي فَقَدَ بوصلته الرُّوحيَّة. لذلك أظنُّ أنَّ السؤال الأصح ليس هو: ما معنى الحياة؟ بل: ما الذي تطلبه الحياة مني في هذه اللَّحظة وحالتي الآن؟، فالمعنى لا يعطى دفعةً واحدةً، بل يتكوَّن في مجرى اللَّحظة والتجربة والمعاناة.
هناك حفرة وجوديَّة تحاول أنْ تبتلع أرواحنا، تساؤلات عميقة تغصُّ بها عقولنا، وقد تداهمنا حتى ونحن في سعة من العيش، كحزنٍ لا نعرفُ له معنى، أو انزعاجٍ عميق خلال الصَّمت. يُفسِّر (كارل يونغ) مصطلح «متلازمة الفراغ الوجوديِّ» بأنَّه اصطدام الإنسان بسؤالٍ يطارده عن الهدف والغاية من الحياة، دون إجابةٍ واضحةٍ مقنعةٍ، في ظلِّ غياب تبرير لم يتألَّم ويُعانِ، ولم يستمر في العيش دون أنْ تخور قواه أو ينهار عالمه.
ومن رَحِم هذا الفراغ، وغياب المعنى الأصيل، تنشأ المعاني البديلة؛ لتحاول خلق مغالطات فكريَّة لاستمرارنا في العيش دون جوهر، أو نور روحي، بأوهامِ الامتلاء والنجاح والتعلُّق بالأشياء العابرة، التي تمنحنا خدعة الانتماء، وتخدِّر وعينا. يقول الدكتور (أحمد خالد توفيق): «لا أعرفُ المعنى وراء كلِّ ما يجري الآن، أنا فقط أستيقظُ وأنا متعبٌ، وأنامُ وأنا متعبٌ أيضًا، شيء ما أريده أنْ ينتهي حتى أرتاح، ولا أعرفُ ما هو!».
عمومًا، يبدو أنَّ الإنسان لا يمانعُ أن يعاني، فالمعاناة ذاتها تعطيه نوعًا من المعنى، لكنَّه يأبى أنْ تكون معاناته غير ذات جدوى، بل يريدها أصيلة يمكنه الفخر بها، أن تكون معاناته بطوليَّة. إنَّ الإنسان يجد نفسه مسؤولًا عن معنى وجوده منذ أنْ يعي وجوده، وهذا من أصعب ما يواجهه في حياته القصيرة الخاطفة. ومع ذلك، لعل غياب المعنى المحدَّد سلفًا يمنحه فرصة للتحرُّر من الأعباء الموروثة؛ ليخلق لنفسه معنًى جديدًا ينسجه بخيوط حريَّته وتجربته المعيشيَّة.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store