Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. عبدالله صادق دحلان

أرويا كروز.. أكبر سفينة سياحية سعودية

A A
في الأسبوع الماضي، سنحت لي الفرصة لخوض تجربة سياحيَّة مميَّزة، برفقة زوجتي، على متن سفينة «أرويا كروز» السعوديَّة، في رحلة بحريَّة من جدَّة إلى إسطنبول، ضمن حوالى ثلاثة آلاف مسافر عليها، استمرَّت ثمانية أيام، مرورًا بـ6 وجهات سياحيَّة، وقد كانت تجربة ثريَّة بكلِّ المقاييس، جمعت بين الرَّاحة، والفخامة، وروعة المناظر البحريَّة، وجودة الخدمات، وحُسن التَّنظيم، وتنوُّع الأنشطة، إلى جانب متعة الإبحار عبر البحر الأحمر، والبحر المتوسط، ولم تكن الرحلة مجرَّد وسيلة للانتقال بين وجهتين، بل كانت تجربةً سياحيَّةً استثنائيَّةً متكاملةً على متن سفينةٍ متميِّزةٍ.
وخلال الرحلة لفت انتباهي المستوى الاحترافي الذي وصلت إليه هذه السفينة السعوديَّة، سواء من حيث جودة الخدمات، أو تنوُّع المرافق، أو كفاءة الطاقم العامل عليها، كما كان من الجميل مشاهدة أعداد كبيرة من العائلات السعوديَّة والخليجيَّة، والمقيمين في المملكة يستمتعُون بتجربة سياحيَّة عالميَّة، تنطلق من المملكة، وتحمل هويتها وثقافتها، وهو ما منح الرِّحلة بُعدًا وطنيًّا إضافيًّا، إلى جانب بُعدها الترفيهيِّ.
تمثِّل «أرويا كروز» خطوةً مهمَّةً ضمن التحوُّلات الكُبْرى التي تشهدها المملكة العربيَّة السعوديَّة في قطاعَي السياحة والترفيه، حيث تم إطلاق «أرويا كروز» للرِّحلات البحريَّة لأوَّل مرَّة في يونيو 2023م برُؤية سعوديَّة طموحة، تهدف إلى تقديم تجربةٍ بحريَّةٍ عالميَّةٍ بطابعٍ عربيٍّ وخليجيٍّ، وتأتي هذه المبادرة متَّسقة مع مستهدَفات رُؤية المملكة 2030، التي تسعى إلى تنويع الاقتصاد الوطنيِّ؛ وتعزيز مساهمة قطاع السياحة في الناتج المحليِّ الإجماليِّ.
لقد ظلَّ قطاعُ الرِّحلات البحريَّة لعقودٍ طويلة حِكرًا على شركات عالميَّة كُبْرى، تتركَّز في أوروبا، وأمريكا الشماليَّة، بينما كان المسافرُ العربيُّ مضطرًا للسَّفر إلى موانئ بعيدة؛ لبدء رحلاته البحريَّة، أمَّا اليوم، فقد أصبح بإمكان السَّائح السعوديِّ والخليجيِّ الانطلاق من موانئ المملكة، والاستمتاع بتجربةٍ لا تقلُّ جودةً عن أشهر شركات الكروز العالميَّة، مع وجود خدمات ومرافق تراعي الثقافة العربيَّة، واحتياجات الأُسرة الخليجيَّة.
وتتميَّز سفينة أرويا بحجمها الكبير، وتنوُّع مرافقها، حيث تضم آلاف الغُرف والأجنحة، وعشرات المطاعم والمقاهي، إضافة إلى المسارح، والعروض الترفيهيَّة، والمناطق المخصَّصة للأطفال، والمسابح، والمنتجعات الصحيَّة، ومرافق التسوُّق، ويستطيع المسافرُ أنْ يقضي أيَّام الرِّحلة دون أنْ يشعر بالملل؛ نظرًا لتنوُّع البرامج والفعاليَّات التي تستمر على مدار السَّاعة.
ومن الجوانب المهمَّة التي تستحقُّ الإشادة، أنَّ أرويا لا تقدِّم وسيلة نقل بين المدن فحسب، بل توفِّر تجربةً سياحيَّةً متكاملةً، فالسفينةُ نفسها تتحوَّل إلى وجهة سياحيَّة مستقلَّة، حيث يجد الركَّاب أنشطةً ثقافيَّةً وترفيهيَّةً ورياضيَّةً تناسب مختلف الأعمار، والاهتمامات، كما أنَّ التوقُّف في عدَّة موانئ خلال الرِّحلة يتيح للمسافرِينَ فرصةَ التعرُّف على مدن وثقافات مختلفة في رحلة واحدة.
ومن الجوانب التي أعجبتني خلال الرحلة، نجاح أرويا في تحقيق توازنٍ مميِّزٍ بين الانفتاح على المعايير السياحيَّة العالميَّة، والمحافظة على الخصوصيَّة الثقافيَّة التي يفضِّلها كثيرٌ من المسافرِينَ في المنطقة، فقد لمسنا أجواءً مريحةً تمنح الضيوف حريَّة اختيار لباسهم، سواء الثوب السعوديِّ، أو الخليجي، أو العباءة والنقاب، ولا يوجد أيُّ تدخُّل في حريَّة اختيار اللِّباس اللَّائق؛ للاستمتاع بإجازتهم ضمن إطار من الاحترام المتبادل، والالتزام بالذَّوق العام، وهي حريَّة غير موجودة في غير السفن السياحيَّة العالميَّة المماثلة، كما تتوافر على متن السفينة مرافق مخصَّصة لأداء الصَّلوات، وهو ما يقدِّره كثيرٌ من المسافرِين، كذلك يبرز الطابعُ العربيُّ بوضوحٍ، من خلال وجود عددٍ كبيرٍ من العاملِين وأفراد الطاقم من جنسيَّات عربيَّة مختلفة، الأمر الذي يُسهم في سهولة التَّواصل، ويمنح الضيوف شعورًا أكبر بالأُلفة والرَّاحة، كما أنَّ السفينة تقدِّم نموذجًا سياحيًّا يتوافقُ مع تطلُّعات شريحة واسعة من العائلات السعوديَّة الخليجيَّة والعربيَّة، الباحثة عن تجربةٍ بحريَّةٍ راقيةٍ تنسجمُ مع قيمها الاجتماعيَّة والثقافيَّة.
لقد أثبتت تجربة أرويا كروز، أنَّ المملكة لم تعد تكتفي باستقطاب السياح، بل أصبحت قادرة على صناعة منتجات سياحية عالمية المستوى، تنافس أفضل التجارب الدولية، ومن الواجب الإشادة بالدعم الكبير الذي توليه حكومة خادم الحرمَين الشَّريفَين، وسمو ولي العهد لقطاع السِّياحة والتَّرفيه، وما يقوم به صندوقُ الاستثمارات العامَّة من دور محوريٍّ في تطوير مشروعات نوعيَّة تُسهم في رفع جودة الحياة، وتوفير خيارات ترفيهيَّة راقية للمواطنِينَ والمقيمِينَ والزوَّار.
ومن التفاصيل التي استوقفتني وأعجبتني كثيرًا كتابة قولِهِ تعَالَى: ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ على مقدِّمة السفينة، وهي تشقُّ البحار في رحلتها بين الدول والموانئ، في لمسةٍ جميلةٍ تجمعُ بين الهويَّة الثقافيَّة، والبُعد الحضاريِّ، كما يسعدُنِي أنْ أتقدَّم بالشُّكرِ والتَّقديرِ للمدير التنفيذيِّ لأرويا كروز، الأستاذ طه عمر ناظر، الذي يمثِّل نموذجًا مشرِّفًا للشَّباب السعوديِّ النَّاجح والكُفؤ والطَّموح، ولجميع فريق العمل الذين أسهمُوا في تقديم تجربةٍ سياحيَّةٍ متميِّزةٍ تعكسُ مستوى التطوُّر الذي وصلت إليه المملكة في قطاع السِّياحة والتَّرفيه.
ورغم أنَّ الرحلات البحريَّة غالبًا ما ترتبطُ في أذهان البعض بالشَّباب، وحديثي الزَّواج، فإنَّني أنصحُ كبار السِّن أيضًا بخوض هذه التجربة الفريدة، فقد وجدتُ فيها قدرًا كبيرًا من الرَّاحة، والاستجمام، والمتعة الهادئة، التي تناسب مختلف الأعمار، كما أنَّها تمنح الإنسان فرصةً نادرةً للتأمُّل والاسترخاء والاستمتاع بجَمَال البحر، والخدمات المتكاملة، وهي فرصةٌ للكُتَّاب والشُّعراءِ والمؤلِّفِينَ والباحثِينَ للتفرُّغ للكتابة والبحث، إنَّها تجربةٌ يصعبُ وصفها بالكلمات، وتبقى ذكرياتها حاضرةً في الذاكرة لفترة طويلة، بل ربَّما تكون من أجمل التجارب السياحيَّة التي يمكن أنْ يعيشها الإنسانُ في مراحل عمره.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store